كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)
موضعموضع آخر كونه بالتعلم من بعض أهل الكتاب ولعله يعلم منه انتفاء كونه بالاسفاضة وإن قلنا : إنه لا يعلم فدليله ظاهر جدا ولذا لم يتشبث بكون الوقوف بها أحد من المشركين فتدبر والمعنى على ما ذهب اليه بعضهم وما كنت حاضرا بجانب الجبل الغربي او المكان الغربي الذي وقع فيه الميقات واعطى الله تعالى فيه ألواح التوراة لموسى عليه السلام والكلام على هذا من باب حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه وهو عند قوم من باب اضافة الموصوف إلى الصفة التي جوزها الكوفيون كما في مسجد الجامع والاصل في الجانب الغربي فيتحد الجانب والغربي على هذا الوجه وهو بعض من الغربي على الوجه الاول
إذ قضينا إلى موسى الأمر أي عهدنا اليه وأحكمنا أمر نبوته بالوحي وإيتاء التوراة وما كنت من الشاهدين أي من جملة الحاضرين للوحي اليه أو الشاهدين على الوحي اليه عليه السلام وهم السبعون المختارون للميقات حتى تشاهد ما جرى من أمر موسى في ميقاته فتخبر به الناس فالشاهد من الشهادة إما بمعنى الحضور أو بمعناها المعروف واستشكل إرادة المعنى الاول بلزوم التكرار فانه قد نفى الحضور أولا في قوله تعالى : وما كنت بجانب الغربي وكذا إرادة المعنى الثاني بلزوم نحو ذلك لما أن نفي الحضور يستدعي نفي كونه من الشاهدين بذلك المعنى ومن هنا قيل : المراد من الاول نفي كونه صلى الله عليه و سلم حاضرا بنفسه لغرض من الأغراض ومن الثاني نفي كونه عليه الصلاة و السلام من جماعة جيء بهم ليحضروا فيطلعوا على ما يقع هناك لموسى عليه السلام لأن المراد بالشاهدين جماعة معهودون كان حالهم ذلك
وقيل : المراد بالشاهدين الملائكة عليهم السلام فقد جاء الشاهد اسما للملك كما في القاموس فكأنه قيل : ما كنت حاضرا بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى أمر نبوته بالوحي وما كنت من الملائكة الدين ينزلون ويصعدون بأمر الله ووحيه إلى أنبيائه عليهم السلام ولهم من الاطلاع على الحوادث ما ليس لغيرهم من البشر حتى يكون لك علم بما وقع لموسى عليه السلام فتخبر به الناس
وقال ابن عباس كما في التفسير الكبير والبحر : التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت لما شاهدت تلك الوقائع فانه يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى وقيل : وهو مختار أبي حيان إن المعنى وما كنت من الشاهدين بجميع ما أعلمناك به فهو نفي لشهادته عليه الصلاة و السلام جميع ما جرى لموسى عليه السلام فكان عموما بعد خصوص وقيل : المراد وما كنت من الشاهدين ذلك الزمان فيكون نفيا لحضوره ومشاهدته ذلك الزمان أعم من أن يكون بجانب الغربي أو بغيره وحاصله نفي الوجود العيني إذ ذاك فيكون ترقيا في النفي
وقيل المراد وما كنت إذ ذاك منتظما في سلك من يتصف بالشهادة وهو الموجودون بالوجود العيني أينما كانوا ومآله كمآل ما قبله وإن اختلفا في طريق الإرادة وتعين كون الشهادة فيما قبله بمعنى الحضور ولعل ما قبله أظهر منه بل إذا ادعى مدع كونه أظهر من جميع ما قيل لم يبعد هذا ولا يخفى عليك حال تلك الأقوال وما فيها من القيل والقال وفي القلب من صحة نسبة ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اليه ما فيه فتدبر جميع ذاك والله تعالى يتولى هداك ولكنا أنشأنا قرونا أي ولكنا خلقنا بين زمانك وزمان موسى قرونا كثيرة فتطاول عليهم العمر وتمادى الأمد فتغيرت الشرائع والاحكام وعميت عليهم الانباء