كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)

لاسيما على آخرهم الذين أنت فيهم فاقتضت الحكمة التشريع الجديد وقص الانباء على ما هي عليه فأوحينا اليك وقصصنا الانباء عليك فحذف المستدرك أعني أوحينا اكتفاء بذكر ما يوجبه ويدل عليه من إنشاء القرون وتطاول الأمد وخلاصة المعنى لم تكن حاضرا لتعلم ذلك ولكن علمته بالوحي والسبب فيه تطاول الزمن حتى تغيرت الشرائع وعميت الانباء وقوله تعالى : وما كنت ثاويا أي مقيما في أهل مدين وهم شعيب عليه السلام والمؤمنون نفي لاحتمال كون معرفته صلى الله تعالى عليه وسلم لبعض ما تقدم من القصة بالسماع ممن شاهد ذلك وقوله سبحانه تتلو عليهم أي تقرأ على أهل مدين بطريق التعلم منهم كما يقرأ المتعلم الدرس على معلمه آياتنا الناطقة بما كان موسى عليه السلام بينهم وبما كان لهم معه إما حال من المستكن في ثاويا أو خبر ثان لكنت ولكنا كنا مرسلين لك وموحين اليك تلك الآيات ونظائرها والاستدراك كالاستدراك السابق إلا أنه لا حذف فيه وما كنت بجانب الطور إذ نادينا أي وقت ندائنا موسى إني أن الله رب العالمين واستنبائنا إياه وارسالنا له إلى فرعون ولكن رحمة من ربك أي ولكن أرسلناك بالقرآن الناطق بما ذكر وغيره لرحمة كائنة منا لك وللناس
وقيل أي علمناك رحمة ولعل الرحمة عليه مفعول ثان لعلم والمراد بها القرآن وليست مفعولا له والمفعول الثاني ما ذكر من القصة لما ستعرفه قريبا ان شاء الله تعالى وأما جعلها منصوبة على المصدرية لفعل محذوف فحاله غني عن البيان والالتفات إلى اسم الرب للاشعار بأن ذلك من آثار الربوبية وتشريفه عليه الصلاة و السلام بالأضافة وقد اكتفى ههنا عن ذكر المستدرك بذكر ما يوجبه من جهته تعالى كما اكتفى في الاول بذكر ما يوجبه من جهة الناس وصرح به فيما بينهما تنصيصا على ما هو المقصود وإشعارا بأنه المراد فيهما أيضا ولله تعالى در شأن التنزيل وقوله سبحانه : لتنذر قوما متعلق بالفعل المعلل بالرحمة وهو يستدعي أن يكون الارسال بالقرآن أو ما في معناه كتعليم القرآن دون تعليم ما ذكر من القصة إذ لا يظهر حسن تعليله بالانذار وجوز أن يتعلق بالمستدركات الثلاث على التنازع
وقرا عيسى وأبو حيوة رحمة بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والتقدير ولكن هو أو هذا أو هي أو هذه رحمة والضمير أو الاشارة قيل للارسال المفهوم من الكلام والتذكير والتأنيث باعتبار المرجع والخبر والخلاف في الاولى مشهور وجوز أبو حيان أن يكون التقدير ولكن أنت رحمة ولتنذر على هذه القراءة متعلق بما هو صفة لرحمة وقوله جل وعلا : ما أتاهم من نذير من قبلك صفة لقوما و من الاولى مزيدة للتأكيد وقوله تعالى : لعلهم يتذكرون
64
- أي يتعظون بانذارك تعليل للانذار على القول بأن لعل للتعليل وأما على القول بأنها للترجي حقيقة أو مجازا فقيل هو في موضع الصفة بتقدير القول أي لتنذر قوما مقولا فيهم لعلهم يتذكرون والمراد بهؤلاء القوم قيل العرب وظاهر الآية أنهم لم يبعث اليهم رسول قبل نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أصلا وليس بمراد للاتفاق على أن اسماعيل عليه السلام كان مرسلا اليهم وكأنه لتطاول الامد بين بعثته عليه السلام وبعثة نبينا عليه الصلاة و السلام إذ بينهما أكثر من الفي سنة بكثير واندراس شرعه وعدم وقوف

الصفحة 87