كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)

الاكثرين في أغلب هذ المدة على حقيقته قيل : ذلك وقيل : إن ذلك لما صرحوا به من أن حكم بعثة اسماعيل عليه السلام قد انقطع بموته وأنه لم يرسل اليهم بعده بني سوى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال العلامة بان حجر في المنح المكية : من المقرر أن العرب لم يرسل اليهم رسول بعد اسماعيل عليه الصلاة و السلام وان اسماعيل انتهت رسالته بموته وادعى قبيل هذا الاتفاق على أن إبراهيم عليه السلام ومن بعده أي سوى اسماعيل عليه السلام لم يرسلوا للعرب ورسالة اسماعيل اليهم انتهت بموته اه فكأنه لقلة لبث اسماعيل عليه السلام فيهم وانقطاع حكم رسالته بعد وفاته فيما بينهم وبقاتهم الامد الطويل بغير رسول مبعوث فيهم في اتيان النذير إياهم من قبله صلى الله عليه و سلم
وذكر العلامة ابن حجر في المنح أيضا ما يفيد أن كل رسول ممن عدا نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم تنقطع رسالته بموته وليس ذلك خاصا باسماعيل عليه السلام ويفهم من كلام العز بن عبد السلام في أماليه أن هذا الانقطاع ليس على إطلاقه فقد قال : فائدة كل نبي إنما ارسل إلى قومه إلا سيدنا محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم فعلى هذا يكون ما عدا قوم كل نبي من أهل الفترة الا ذرية النبي السابق عليه فانهم مخاطبون ببعثة السابق إلا أن تدرس شريعة السابق فيصير الكل من اهل الفترة اه
وهو وكذأ ما نقلناه عن العلامة ابن حجر عندي الآن على اعراف الرد والقبول ولعل الله تعالى يشرح صدري بعد لتحقيق الحق في ذلك وقيل : إن موسى وعيسى عليهما السلام كما ارسلا إلى بني اسرائيل ارسلا للعرب فالمراد بنفي هذا الاتيان الفترة التي بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام وزمنها على ما روى البخاري عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه ستمائة سنة وفي كثير من الكتب أنه خمسمائة وخمسون سنة ونفي اتيان نبي زماني إتيان نبينا واتيان عيسى عليهم الصلاة والسلام هو ما صححه جمع من العلماء لحديث لا نبي بيني وبين عيسى وقال بعضهم : إن بينهما أربعة أنبياء ثلاثة من بني اسرائيل وواحد من العرب وهو خالد بن سنان وقيل : غير ذلك واختار البعض أن المراد بهؤلاء القوم العرب المعاصرون له صلى الله تعالى عليه وسلم إذ هم الذين يتصور انذاره عليه الصلاة و السلام إياهم دون اسلافهم الماضين ولعله الأظهر وعدم إتيان نذير إياهم من قبله صلى الله تعالى عليه وسلم على القول بانتهاء حكم رسالة الرسول سوى نبينا عليه الصلاة و السلام بموته ظاهر وأما إذا قيل : بعدم انتهائه بذلك وبقائه حكما لرسالة الرسول يجب على من علمه من ذراري المرسل اليهم الأخذ به من حيث إنه حكم من أحكام ذلك الرسول إلى أن يأتي رسول آخر فيؤخذ به من حيث إنه حكم من أحكامه أو على الوجه الذي يأمر به فيه من النسبة اليه أو من نسبته إلى من قبله يترك إن جاء الثاني ناسخا له فالمراد بعدم اتيان النذير إياهم عدم وصول ما أتي على الحقيقة اليهم ولا يمكنأن يراد بهؤلاء القوم العرب مطلقا ويقال : بأنهم لم يرسل اليهم قبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أحد أصلا لظهور بطلانه ومنافاته لقوله تعالى وإن من أمة إلا خلا فيها نذير والعرب أعظم أمة وكذا لقوله تعالى : لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم بناء على أن ما فيه ليست نافية وهو على القول بأن ما فيه نافية مؤول بحمل الآباء على الآباء الأقربين ولا يكاد يجوز فيما ههنا ما جاز فيها من الاحتمال في آية يس بل المتعين فيها النفي ليس غير وتكلف غيره مما لا ينبغي في كتاب الله تعالى والنذير بمعنى المنذر واحتمال كونه مصدرا بمعنى الانذأر مما لاينبغي أن يلتفت اليه وتغيير الترتيب الوقوعي بين قضاء الامر بمعنى احكام أمر نبوة موسى عليه السلام بالوحي وإيتاء التوراة وثوائه عليه السلام في أهل مدين المشار اليه بقوله تعالى : وما كنت ثاويا في أهل مدين والنداء

الصفحة 88