كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)

للتنبيه على أن كلا من ذلك برهان مستقل على أن حكايته عليه الصلاة و السلام للقصة بطريق الوحي الالهي ولو روعي الترتيب الوقوعي ونفي أولا الثواء في أهل مدين ونفي ثانيا الحضور عند النداء ونفي ثالثا الحضور عند قضاء الأمر لربما توهم أن الكل دليل واحد على ما ذكر كما مر في قصة البقرة ومن الناس من فسر قضاء الامر بالاستنباء والنداء بالنداء لأخذ التوراة بقوله تعالى : خذ الكتاب بقوة رعاية للترتيب الوقوعي بينهما وتعقب بأنه يفوت عليه التنبيه المذكور مع أنه بهذا القدر لا يرتفع تغيير الترتيب الوقوعي بالكلية بين المتعاطفات لأن الثواء في أهل مدين متقدم على القضاء والنداء في الواقع وقد وسط في النظم الكريم بينهما وأيضا ما تقدم من تفسير كل من القضاء والنداء بما فير أنسب بما يلي كلا من الاستدراك ومما يستغرب أن بعض من فسر ما ذكر بما يوافق الترتيب الوقوعي فسر الشاهدين بالسبعين المختارين للميقات ولا يكاد يتسنى ذلك عليه لأنهم إنما كانوا مع موسى عليه السلام لما اعطي التوراة فكان عليه أن يفسره بغير ذلك وقد تقدم لك عدة تفاسير لا يأبى شيء منها تفسير ما ذكر بما يوافق الترتيب الوقوعي وجوز على التفسير بما يوافق كون المراد بالشاهدين الملائكة عليهم السلام الذين كانوا حول النار فان الآثار ناطقة بحضورهم حولها عند ما أتاها موسى عليه السلام وكذا قوله تعالى أن بورك من في النار ومن وحولها في قول هذا وفي الآيات تفسيرات أخر فقال الفراء في قوله تعالى : وكانت ثاويا الخ أي وما كنت مقيما في أهل مدين مع موسى عليه السلام فتراه وتسمع كلامه وها أنت تتلو عليهم أي على أمتك آياتنا فهو منقطع اه ونحوه ما روي عن مقاتل فيه وهو أن المعنى لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ولكنا أرسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا اليك هذه الأخبار ولولا ذلك ما علمت وقال الضحاك : يقول سبحانه إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين تتلو عليهم آيات الكتاب وإنما كان غيرك ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولا فأرسلنا إلى أهل مدين شعيبا وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الانبياء اه ولا يخفى أن ما قدمنا أولى بالاعتبار وذهب جمع إلى أن النداء في قوله تعالى : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا كان نداء فيما يتعلق بهذ الأمة المحمدية على نبيها أفضل الصلاة وأكمل التحية وذكروا عدة آثار تدل على ذلك
أخرج الفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل عن أبي هريرة قال في ذلك نودوا يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني واستجبت لكم قبل أن تدعوني وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا وأخرج هو أيضا وأبو نعيم في الدلائل وأبو نصر السجزي في الابانة والديلمي عن عمرو بن عيينة قال سألت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن قوله تعالى وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك ما كان النداء وما كانت الرحمة قال كتاب كتبه الله تعالى قبل أن يخلق خلقه بالفي عام ثم وضعه على عرشه ثم نادى يا أمة محمد سبقت رحمتي غضبي أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي ورسولي صادقا أذخلته الجنة
وأخرج الختلي في الديباج عن سهل بن سعد الساعدي مرفوعا مثله وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : لما قرب الله تعالى موسى إلى طور سيناء نجيا قال : أي رب هل أجد أكرم عليك مني قربتني نجيا وكلمتني تكليما قال : نعم محمد عليه الصلاة و السلام أكرم منك

الصفحة 89