كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)
أو جازم وجاء حذفها كذلك في قليل من الكلام وفي الشعر و ساحران خبر لمبتدأ محذوف وأصل الكلام أنتما ساحران تتظاهران فحذف أنتما وأدغمت التاء في الظاء وحذفت النون وروعي الخطاب ولو قريء يظاهر بالياء حملا على مراعاة ساحران أو على تقديرهما لكان له وجه وكأنهم خاطبوا النبي صلى الله عليه و سلم بذلك وأرادوه وموسى عليهما الصلاة والسلام بأنتما على سبيل التغليب وهذا وتفسير الآية بما ذكر مما لا تكلف فيه ولعله هو الذي يستدعيه جزالة النظم الجليل ويقتضيه اقتضاء ظاهر قوله تعالى : قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أي مما أوتياه من القرآن والتوراة أتبعه أي إن تأتوا به أتبعه فالفعل مجزوم بجواب الأمر ومثل هذا الشرط يأتي به من يدل بوضوح حجته لأن الاتيان بما هو أهدى من الكتابين أمر بين الاستحالة فيوسع دائرة الكلام للتبكيت والالزام وإيراد كلمة إن في قوله تعالى : إن كنتم صادقين
94
- أي في أنهما سحران مختلقان مع امتناع صدقهم نوع تهكم بهم وقرأ زيد بن علي أتبعه بالرفع على الاستئناف أي أنا أتبعه وقال الزمخشري : الحق الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات يعني أن المقام مقام فلما جاءهم أي الرسول أو فلما جاءهم الرسول لكن عدل عن ذلك لافادة تلك المعاني وما أوتي موسى بما هو أعم من الكتاب المنزل جملة واحدة واليد والعصا وغيرهما من آياته عليه السلام وتعقب بأنه لا تعلق للمعجزات من اليد ونحوها بالمقام وكذا لا تعلق لغير القرآن من معجزات نبينا صلى الله عليه و سلم به ويرشد إلى ذلك ظاهر قوله تعالى قل فأتوا الخ
وجوز أن يكون ضمير جاءهم وقالوا راجعين إلى أهل مكة الموجودين وضمير يكفروا وكذا ضمير قالوا في الموضعين راجع إلى جنس الكفرة المعلوم من السياق والمراد بهم الكفرة الذين كانوا في عهد موسى عليه السلام ومن قبل متعلق بيكفروا لا بأوتي لعدم ظهور الفائدة والمراد بسحرين أو ساحران موسى وهرون عليهما السلام كما روى مجاهد واطلاق سحرين عليهما للمبالغة أو هو بتقدير ذو سحرين والمعنى أو لم يكفر أبناء جنسهم من قبلهم بما أوتي موسى عليه السلام كما كفروا هم بما اوتيته وقال اولئك الكفرة هما أي موسى وهرون سحران او ساحران تظاهرا وقيل : يجوز أن تكون الضمائر راجعة إلى الموجودين والكفر والقول المذكور لأولئك السابقين حقيقة واسنادهما إلى الموجودين مجازي لما بين الطائفتين من الملابسة
وقيل بناء على ما روي عن الحسن : من أنه كان للعرب أصل في أيام موسى عليه السلام إن المعنى أو لم يكفر آباؤهم من قبل أن يرسل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بما أوتي موسى قالوا هما أي موسى وهرون سحران أو ساحران تظاهرا فهو على اسلوب وإذ نجيناكم من آل فرعون ونحوه ويفيد الكلام عليه أن قدمنهم في الكفر من الرسوخ بمكان ولهم في العناد عرق أصيل وكون العرب لهم أصل في أيام موسى عليه السلام مما لا شبهة فيه حتى قيل : إن فرعون كان عربيا من أولاد عاد لكن في حسن تخريج الآية على ذلك كلام وأنت تعلم أن كل هذه الأوجه ليست مما ينشرح له الصدر وفيها من التكلف ما فيها
وادعى أبو حيان ظهور رجوع ضمير يكفروا وكذا ضمير قالوا إلى قريش الذين قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى وأن نسبة ذلك اليهم لما أن تكذيبهم لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم تكذيب لموسى عليه السلام ونسبتهم السحر للرسول نسبتهم إياه لموسى وهرون عليهما السلام إذ الانبياء عليهم السلام من