كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)
عنعن الآيات الهادية إلى الحق المبين ولقد وصلنا لهم القول الضمير لأهل مكة وأصل التوصيل ضم قطع الحبل بعضها ببعض قال الشاعر : فقل لبني مروان ما نال ذمتي بحبل ضعيف لا يزال يوصل والمعنى ولقد أنزلنا القرآن عليهم متواصلا بعضه أثر بعض حسبما تقتضيه الحكمة أو متتابعا وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا ومواعظ ونصائح وقيل : جعلناه أوصالا أي انواعا مختلفة وعدا ووعيدا الخ وقيل : المعنى وصلنا لهم خبر الآخرة بخبر الدنيا حتى كأنهم عاينوا الآخرة وعن الاخفش أتممنا لهم القول وقرأ الحسن وصلنا بتخفيف الصاد والتضعيف في قراءة الجمهور للتكثير ومن هنا قال الراغب في تفسير ما في الآية عليها أي أكثرنا لهم القول موصولا بعضه ببعض لعلهم يتذكرون
15
- فيؤمنون بما فيه
الذين ءاتيناهم الكتاب من قبله قبل القرآن على أن الضمير للقول مرادا به القرآن أو للقرآن المفهوم منه وأيا ما كان فالمراد من قبل ايتائه هم لا هؤلاء الذين ذكرت أحوالهم به أي بالقرآن يؤمنون
25
- وقيل : الضميران للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد بالموصول على ما روي عن ابن عباس مؤمنوا أهل الكتاب مطلقا وقيل : هم أبو رفاعة في عشرة من اليهود آمنوا فأوذوا وأخرج ابن مردويه بسند جيد وجماعة عن رفاعة القرظي ما يؤيده وقيل : أربعون من أهل الأنجيل كانوا مؤمنين بالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم قبل مبعثه اثنان وثلاثون من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب وثمانية قدموا من الشام بحيرا وأبرهة وأشرف وعامر وايمن وادريس ونافع وتميم وقيل : ابن سلام وتميم الداري والجارود العبدي وسلمان الفارسي ونسب إلى قتادة واستظهر أبو حيان الاطلاق وأن ماذكر من باب التمثيل لمن آمن من أهل الكتاب
وإذا يتلى أي القرآن عليهم قالوا ءامنا به أي بأنه كلام الله تعالى : إنه الحق من ربنا أي الحق الذي كنا نعرف حقيته وهو استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم به وجوز أن تكون الجملة مفسرة لما قبلها وقوله تعالى : إنا كنا من قبله أي من قبل نزوله مسلمين بيان لكون إيمانهم به أمرا متقادم العهد لما شاهدوا ذكره في الكتب المتقدمة وأنهم على دين الاسلام قبل نزول القرآن ويكفي في كونهم على دين الاسلام قبل نزوله إيمانهم به إجمالا وفي الكشاف والبحر ان الاسلام صفة كل موحد مصدق بالوحي والظاهر عليه أن الاسلام ليس من خصوصيات هذه الأمة من بين الأمم وذهب السيوطي عليه الرحمة إلى كونه من الخصوصيات وألف في ذلك كراسة وقال في ذيلها : لما فرغت من تأليف هذه الكراسة واضطجعت على الفراش للنوم ورد علي قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب من قبله الآية فكأنما ألقي علي جبل لما أن ظاهرها الدلالة للقول بعدم الخصوصية وقد أفكرت فيها ساعة ولم يتجه لي فيها شيء فلجأت إلى الله تعالى ورجوت أن يفتح بالجواب عنها فلما استيقضت وقت السحر إذا بالجواب قد فتح فظهر عنها ثلاثة أجوبة : الأول أن مسلمين أسم فاعل مراد به الاستقبال كما هو حقيقة فيه دون الحال والماضي والتمسك بالحقيقة هو الأصل وتقدير الآية إنا كنا من قبل مجيئه عازمين على الاسلام به إذا جاء لما كنا نجده في كتبنا من بعثه ووصفه ويرشح هذا أن السياق يرشد إلى أن قصدهم الاخبار بحقية القرآن وأنهم كانوا على قصد الاسلام به إذا جاء به النبي صلى الله عليه و سلم وليس