كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)

قصدهم الثناء على أنفسهم في حد ذاتهم بأنهم كانوا بصفة الاسلام أولا لنبو المقام عنه كما لا يخفى الثاني أن يقدر في الآية إنا كنا من قبله مسلمين به فوصف الاسلام سببه القرآن لا التوراة والانجيل ويرشح ذلك ذكر الصلة فيما قبل حيث قال سبحانه : هم به يؤمنون فانه يدل على أن الصلة مرادة هنا أيضا إلا أنها حذفت كراهة التكرار الثالث أن هذا الوصف منهم بناء على ما هو مذهب الاشعري من أن من كتب الله تعالى أن يموت مؤمنا فهو يسمى عنده تعالى مؤمنا ولو كان في حال الكفر وإنما لم نطلق نحن هذا الوصف عليه لعدم علمنا بما عنده تعالى فهؤلاء لما ختم الله تعالى لهم بالدخول في الاسلام أخبروا عن أنفسهم أنهم كانوا متصفين به قبل لأن العبرة بهذا الوصف بالخاتمة ووصفهم بذلك أولى من وصف الكافر الذي يعلم الله تعالى أنه يموت على الاسلام به لأنهم كانوا على دين حق وهذا معنى دقيق استفدناه من هذه الآية من قواعد علم الكلام انتهى
ولا يخفى ضعف هذا الجواب وكذا الجواب الأول وأما الجواب الثاني فهو بمعنى ما ذكرناه في الآية وقد ذكره البيضاوي وغيره وجوز أن يراد بالاسلام الانقياد أي إنا كنا من قبل نزوله منقادين لأحكام الله تعالى الناطق بها كتابه المنزل الينا ومنها وجوب الايمان به فنحن مؤمنون به قبل نزوله اولئك الموصوفون بما ذكر من النعوت يؤتون أجرهم مرتين مرة على إيمانهم بكتابهم ومرة على إيمانهم بالقرآن بما صبروا أي بصبرهم وثباتهم على الايمانين أو على الايمان بالقرآن قبل النزول وبعده أو على أذى من هاجرهم وعاداهم من أهل دينهم ومن المشركين ويدرءون أي يدفعون بالحسنة أي بالطاعة السيئة أي المعصية فان الحسنة تمحو السيئة قال صلى الله تعالى عليه وسلم لمعاذ : أتبع السيئة الحسنة تمحها وقيل : أي يدفعون بالحلم الأذى وقال ابن جبير : بالمعروف المنكر وقال ابن زيد : بالخير الشر وقال ابن سلام : بالعم الجهل وبالكظم الغيظ قال ابن مسعود : بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك ومما رزقناهم ينفقون
45
- أي في سبيل الخير كما يقتضيه مقام المدح وإذا سمعوا اللغو سقط القول وقال مجاهد : الأذى وقال الضحاك : الشرك وقال ابن زيد : ما غيرته اليهود من وصف الرسول صلى الله عليه و سلم أعرضوا عنه أي عن اللغو تكرما كقوله تعالى : وإذا مروا باللغو مروا كراما وقالوا لهم أي للاغين المفهوم من ذكر اللغو لنا أعمالنا ولكم أعمالكم متاركة لهم كقوله تعالى لكم دينكم ولي دين 0 سلام عليكم قالوه توديعا لهم لا تحية أو هو للمتاركة أيضا كما في قوله تعالى : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وأيا ما كان فلا دليل في الآية على جواز ابتداء الكافر بالسلام كما زعم الجصاص إد ليس الغرض من ذلك إلا المتاركة أو التوديع وروي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الكفار لا تبدؤهم بالسلام وإذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم نعم روي عن ابن عباس جواز أن يقال للكافر ابتداء السلام عليك على معنى الله تعالى عليك فيكون دعاء عليه وهو ضعيف وقوله تعالى : لا نبتغي الجاهلين بيان للداعي للمتاركة والتوديع أي لا نطلب صحبة الجاهلين ولا نريد مخالطتهم إنك لا تهدي هداية موصلة إلى

الصفحة 95