كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)

البغية لا محالة من أحببت أي كل ما أحببته طبعا من الناس قومك وغيرهم ولا تقدر أن تدخله في الاسلام وان بذلت فيه غاية المجود وجاوزت السعي كل حد معهود وقيل : من أحببت هدايته
ولكن الله يهدي من يشاء هدايته فيدخله في الاسلام وهو أعلم بالمهتدين بالمستعدين لذلك وهم الذين يشاء الله سبحانه هدايتهم ومنهم الذين ذكرت أوصافهم من أهل الكتاب وأفعل للمبالغة في علمه تعالى وقيل : يجوز أن يكون في ظاهره وأفاد كلام بعضهم أن المراد أنه تعالى أعلم بالمهتدي دون غيره عز و جل وحيث قرنت هداية الله تعالى بعلمه سبحانه بالمهتدي وأنه جل وعلا العالم به دون غيره دل على أن المراد بالمهتدي المستعد دون المتصف بالفعل فيلزم أن تكون هدايته إياه بمعنى القدرة عليها وحيث كانت هدايته تعالى لذلك بهذا المعنى وجيء بلكن متوسطة بينها وبين الهداية المنفية عنه صلى الله تعالى عليه وسلم لزم أن تكون تلك الهداية أيضا بمعنى القدرة عليها لتقع لكن في موضعها ولذا قيل : المعنى إنك لا تقدر أن تدخل في الاسلام كل من أحببت لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره ولكن الله تعالى يقدر على أن يدخل من يشاء إدخاله وهو الذي علم سبحانه أنه غير مطبوع على قلبه وللبحث فيه مجال وظاهر عبارة الكشاف حمل نفي الهداية في قوله تعالى : إنك لا تهدي من أحببت على نفي القدرة على الادخال في الاسلام وإثباتها في قوله سبحانه ولكن الله يهدي من يشاء على وقوع الادخال في في الاسلام بالفعل وهذا ما أعتمدناه في تفسير الآية ووجهه أن مساق اةية لتسليته صلى الله تعالى عليه وسلم حيث لم ينجع في قومه الذين يحبهم ويحرص عليهم اشد الحرص أنذاره عليه الصلاة و السلام إياهم وما جاء به اليهم من الحق بل أصروا على ما هم عليه وقالوا : لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ثم كفروا به وبموسى عليهما الصلاة والسلام فكانوا على عكس قوم هم أجانب عنه صلى الله تعالى عليه وسلم حيث آمنوا بما جاء به من الحق وقالوا : إنه الحق من ربنا ثم صرحوا بتقادم إيمانهم به واشاروا بذلك إلى إيمانهم بنبيهم وبما جاءهم به أيضا فلو لم يحمل إنك لا تهدي من أحببت على نفي القدرة على إدخال من أحبه عليه الصلاة و السلام في الاسلام بل حمل على نفي وقوع إدخاله صلى الله تعالى عليه وسلم إياه فيه لبعد الكلام عن التسلية وقرب الى العتاب فانه على طرز قولك لمن له أحباب لا ينفعهم إنك لا تنفع أحبابك وهو إذا لم يؤول بأنك لا تقدر على نفع أحبابك فانما يقال على سبيل العتاب أو التوبيخ أو نحوه دون سبيل التسلية ولما كان لهدايته تعالى أولئك الذين أوتوا الكتاب مدخلا فيما يستدعي التسلية كان المناسب إبقاء ولكن الله يهدي من يشاء على ظاهره من وقوع الهداية بالفعل دون القدرة على الهداية وإثبات ذلك له تعالى فرع إثبات القدرة ففي إثباته لا محالة فيصادف الاستدراك المحز وحمل المهتدين على المستعدين للهداية لا يستدعي حمل يهدي على يقدر على الهداية فما ذكر من اللزوم ممنوع ويجوز أن يراد بالمهتدين المتصفون بالهداية بالفعل والمراد بعلمه تعالى بهم مجازاته سبحانه على اهتدائهم فكأنه قيل : وهو تعالى أعلم بالمهتدين كأولئك الذين ذكروا من أهل الكتاب فيجازيهم على إهتدائهم بأجر أو بأجرين فتأمل والآية على ما نطقت به كثير من الأخبار نزلت في أبي طالب
أخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال : لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : يا عماه قل لا إله إلا الله

الصفحة 96