كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)

أشهد لك بها عند الله يوم القيامة فقال : لولا أن يعيروني قريش يقولون : ما حمله عليها إلا جزعه من الموت لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى إنك لاتهدي من أحببت الآية
وأخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي وغيرهم عن سعيد بن المسيب عن أبيه نحو ذلك وأخرج أبو سهل السري بن سهل من طريق عبد القدوس عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال : إنك لا تهدي من أحببت الخ نزلت في أبي طالب ألح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يسلم فأبى فأنزل الله تعالى هذه الآية وقد روى نزولها فيه عنه أيضا ابن مردويه ومسألة إسلامه خلافية وحكاية إجماع المسلمين أو المفسرين على أن الآية نزلت فيه لا تصح فقد ذهب الشيعة وغير واحد من مفسريهم إلى إسلامه وادعوا إجماع أئمة أهل البيت على ذلك وان أكثر قصائده تشهد له بذلك وكأن من يدعي إجماع المسلمين لا يعتد بخلاف الشيعة ولا يعول على رواياتهم ثم إنه على القول بعدم إسلامه لا ينبغي سبه والتكلم فيه بفضول الكلام فان ذلك مما يتأذى به العلويون بل لا يبعد أن يكون مما يأذى به النبي عليه الصلاة و السلام الذي نطقت ألآية بناءا على هذه الروايات بحبه إياه والاحتياط لايخفى على ذي فهم
ولاجل عين تكرم ألف عين
وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أي نخرج من بلادنا ومقرنا وأصل الخطف الاختلاس بسرعة فاستعير لما ذكر والآية نزلت في الحرث بن عثمان ابن نوفل بن عبد مناف حيث أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقالوا : نحن نعلم أنك على الحق ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب وإنما نحن أكلة رأس أن يتخطفونا من أرضنا فرد الله تعالى عليهم خوف التخطف بقوله : أولم نمكن لهم حرما ءامنا أي ألم نعصمهم ونجعل لهم مكانهم حرما ذا أمن بحرمة البيت الذي فيه تتاجر العرب حوله وهم آمنون فيه فالعطف على محذوف و نمكن مضمن معنى الجعل ولذا نصب حرما وآمنا للنسب كلابن وتامر وجعل أبو حيان السناد فيه مجازيا لأن الآمن حقيقة ساكنوه فيستغني عن جعله للنسب وهو وجه حسن يجبى اليه أي يحمل اليه ويجمع فيه من كل جانب وجهة ثمرات كل شيء أي ثمرات أشياء كثيرة على أن كل للتكثير وأصل معناه الاحاطة وليست بمرادة قطعا والجملة صفة أخرى لحرما دافعة لما عسى يتوهم من تضررهم إن اتبعوا الهدى بانقطاع الميرة وقوله تعالى : رزقا من لدنا نصب عن المصدر من معنى يجبى لأن مآله يرزقون أو الحال من ثمرات بمعنى مرزوقا وصح مجيء الحال من النكرة عند من يراه لتخصصها بالاضافة هنا أو على أنه مفعول له بتقدير نسوق اليه ذلك رزقا وحاصل الرد أنه لا وجه لخوف من التخطف إن آمنوا فانهم لا يخافون منه وهم عبدة أصنام فكيف يخافون إذا أمنوا ضموا حرمة الايمان إلى حرمة المقام ولكن أكثرهم لا يعلمون
75
- جهلة لا يتفطنون ولا يتفكرون ليعلموا ذلك فهو متعلق بقوله تعالى : أو لم نمكن الخ
وقيل : هو متعلق بقوله سبحانه : من لدنا أي قليل منهم يتدبرون فيعلمون أن ذلك رزق من عند الله عز و جل إذ لو علموا لما خافوا غيره والأول أظهر والكلام عليه أبلغ في الذم وقرأ المنقري نتخطف بالرفع كما قريء في قوله تعالى : أينما تكونوا يدرككم الموت برفع يدرك وخرج بأنه بتقدير فنحن نتخطف وهو تخريج شذوذ

الصفحة 97