كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 20)
وقرا نافع وجماعة عن يعقوب وأبو حاتم عن عاصم تجبى بتاء التأنيث وقريء تجنى بالنون من الجني وهو قطع الثمر وتعديته بالى كقولك يجني إلى فيه ويجنى الى الخافة وقرأ أبان بن تغلب عن عاصم ثمرات بضم الثاء والميم وقرأ بعضهم ثمرات بفتح الثاء واسكان الميم ثم أنه تعالى بعد أن رد عليهم خوفهم من الناس بين أنهم أحقاء بالخوف من بأس الله تعالى بقوله : وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها أي وكثيرا من أهل قرية كانت حالهم كحال هؤلاء في الأمن وخفض العيش والدعة حتى بطروا واغتروا ولم يقوموا بحق النعمة فدمرنا عليهم وخربنا ديارهم فتلك مساكنهم التي تمرون عليها في أسفاركم كحجر ثمود خاوية بما ظلموا حال كونها
لم تسكن من بعدهم من بعد تدميرهم إلا قليلا أي إلا زمنا قليلا إذ لايسكنها إلا المارة يوما أو بعض يوم أو إلا سكنا قليلا وقلته باعتبار قلة الساكنين فكأنه قيل : لم يسكنها من بعدهم إلا قليل من الناس
وجوز أن يكون الاستثناء من المساكن أي إلا قليلا منها سكن وفيه بعد وكنا نحن الوارثين
85
- منهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم وسائر ذات أيديهم وفي الكشاف أي تركناها على حال لا يسكنها أحد أو خربناها وسويناها بالأرض وهو مشير إلى أن الوراثةاما مجرد انتقالها من أصحابها واما الحاقها بما خلقه الله تعالى في البدء فكأنه رجع إلى أصله ودخل في عداد خالص ملك الله تعالى على ما كان أولا وهذا معنى الارث وانتصاب معيشتها على التمييز على مذهب الكوفيين أو مشبه بالمفعول به على مذهب بعضهم أو مفعول به على تضمين بطرت معنى فعل متعد أي كفرت معيشتها ولم ترع حقها على مذهب أكثر البصريين أو على اسقاط في أي في معيشتها على مذهب الأخفش أو على الظرف نحو جئت خفوق النجم على قول الزجاج
وما كان ربك مهلك القرى بيان للعناية الربانية أثر بيان اهلاك القرى المذكورة أي وما صح وما استقام أو ما كان في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يهلك القرى قبل الاندار بل كانت سنته عز و جل أن لا يهلكها حتى يبعث في أمها أي في أصلها وكبيرتها التي ترجع تلك القرى اليها رسولا يتلو عليهم ءاياتنا الناطقة بالحق ويدعوهم اليه بالترغيب والترهيب وإنما لم يهلكهم سبحانه حتى يبعث اليهم رسولا لإلزام الحجة وقطع المعذرة بأن يقولوالولا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك وإنما كان البعث في أم القرى لأن في أهل البلدة الكبيرة وكرسي المملكة ومحل فطنة وكيسا فهم أقبل للدعوة وأشرف
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة أن أم القرى مكة والرسول محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فالمراد بالقرى القرى التي كانت في عصره عليه الصلاة و السلام والأولى أولى والالتفات إلى نون العظمة في آياتنا لتربية المهابة وادخال الروعة وقريء في إمها بكسر الهمزة اتباعا للميم وما كنا مهلكي القرى عطف على ما كان ربك مهلك القرى إلا وأهلها ظالمون استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد ما بعثنا في أمها رسولا يدعوهم إلى الحق ويرشدهم إليه في حال من ألاحوال إلا حال كونهم ظالمين بتكذيب رسولنا والكفربآياتنا فالبعث غاية لعدم صحة الاهلاك بموجب السنة الالهية لا لعدم وقوعه حتى يلزم تحقق الاهلاك عقيب البعث وما أوتيتم من شيء أي أي شيء اصبتموه من