كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)
عائد على من يشاء الذي يبسط له الرزق أي عائد عليه مع ملاحظة متعلقه فيكون المعنى أنه تعالى شأنه يوسع على شخص واحد رزقه تارة ويضيقه عليه أخرى والواو لمطلق الجمع فقد يتقدم التضييق على التوسيع أو عائد على من يشاء بقطع النظر عن متعلقه فالمراد من يشاء آخر غير المذكور فهو نظير عندي درهم ونصفه أي نصف درهم آخر وهذا قريب من الإستخدام فالمعنى أنه تعالى شأنه يوسع على بعض الناس ويضيق على بعض آخر وقرأ علقمة ويقدر بضم الياء وفتح القاف وشد الدال إن الله بكل شيء عليم 26 فيعلم أن كلا من البسط والقدر في أي وقت يوافق الحكمة والمصلحة فيفعل كلا منهما في وقته أو فيعلم من يليق ببسط الرزق فيبسطه له ومن يليق بقدره له فيقدر له وهذه الآية أعني قوله تعالى : والله يبسط إلخ تكميل لمعنى قوله سبحانه : الله يرزقها وإياكم لأن الأول كلام في المرزوق وعمومه وهذا كلام في الرزق وبسطه وقتره وقوله سبحانه : ولئن سألتهم إلخ معترض لتوكيد معنى الآيتين وتعريض بأن الذين أعتمدتم عليهم في الرزق مقرون بقدرتنا وبقوتنا كقوله تعالى : إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين قاله العلامة الطيبي
وقال صاحب الكشف قدس سره : أعترض ليفيد أن الخالق هو الرزاق وإن من أفاض إبتداء وأوجد أولى أن يقدر على الإبقاء وأكد به ما ضمن في قوله عزوجل : وعلى ربهم يتوكلون
ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله معترفين بأنه عزوجل الموجد للممكنات بأسرها أصولها وفرعها ثم إنهم يشركون به سبحانه بعض مخلوقاته الذي لا يكاد يتوهم منه القدرة على شيء ما أصلا قل الحمد لله على إظهار الحجة وإعترافهم بما يلزمهم وقيل : حمده عليه الصلاة و السلام على العصمة مما هم عليه من الضلال حيث أشركوا مع إعترافهم بأن أصول النعم وفروعها منه جل جلاله فيكون كالحمد عند رؤية المبتلى وقيل : يجوز أن يكون حمدا على هذا وذاك بل أكثرهم لا يعقلون 36 ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد أو لا يعقلون شيئا من الأشياء فلذلك لا يعملون بمقتضى قولهم هذا فيشركون به سبحانه أخس مخلوقاته قيل : إضراب عن جهلهم الخاص في الإتيان بما هو حجة عليهم إلى أن ذلك لأنهم مسلوبو العقول فلا يبعد عنهم مثله وقوله تعالى : قل الحمد لله معترض وجعله الزمخشري في سورة لقمان إلزاما وتقريرا لإستحقاقه تعالى وقيل : لا يعقلون ما تريد بتحميدك عند مقالهم ذلك ولم يرتضه بعض المحققين لخفائه وقلة جدواه وتكلف توجبه الإضراب فيه
وما هذه الحياة الدنيا إشارة تحقير وكيف لا والدنيا لا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة فقد أخرج الترمذي عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لو كانت الدنيا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء
وقال بعض العارفين : الدنيا أحقر من ذراع خنزير ميت بال عليها كلب بيد مجذوم ويعلم مما ذكر حقارة ما فيها من الحياة بالطريق الأولى إلا لهو ولعب أي إلا كما يلهو ويلعب به الصبيان يجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون عنه وهذا من التشبيه البليغ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان اي لهي دار الحياة الحقيقية إذ لا يعرض الموت والفناء لمن فيها أو هي ذاتها حياة للمبالغة و الحيوان مصدر حي سمي به ذو الحياة في غير