كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)
تعالى : إليه يصعد الكلم الطيب والغرض من الألف إستطالة المدة والمعنى إستقلال عبادة الخلص وإستطالة مدة ما بين التدبير والوقوع و ثم للإستبعاد وأستدل لهذا المعنى بقوله تعالى إثر ذلك : قليلا ما تشكرون لأن الكلام بعضه مربوط بالبعض وقلة الشكر مع وجود تلك الأنعامات دالة على إستقلال المذكور
وقيل : المعنى يدبر أمر الشمس في طلوعها من المشرق وغروبها في المغرب ومدارها في العالم من السماء إلى الأرض وزمان طلوعها إلى أن تغرب وترجع إلى موضعها من الطلوع مقداره في المسافة ألف سنة وهي تقطع ذلك في يوم وليلة هذا ما قالوه في الآية الكريمة في بيان المراد منها ولا يخفى على ذي لب تكلف أكثر هذه الأقوال ومخالفته للظاهر جدا وهي بين يديك فأختر لنفسك ما يحلو ويظهر لي أن المراد بالسماء جهة العلو مثلها في قوله تعالى : أأمنتم من في السماء وبعروج الأمر إليه تعالى صعود خبره كما سمعت عن الجماعة و في يوم متعلق بالعروج بلا تنازع وأقول : إن الآية من المتشابه وأعتقد أن الله تعالى يدبر أمور الدنيا وشؤونها ويريدها متقنة وهو سبحانه مستو على عرشه وذلك هو التدبير من جهة العلو ثم يصعد خير ذلك مع الملك إليه عزوجل إظهارا لمزيد عظمته جلت عظمته وعظيم سلطنته عظمت سلطنته إلى حكم هو جل وعلا أعلم بها وكل ذلك بمعنى لائق به تعالى مجامع للتنزيه مباين للتشبيه حسبما يقوله السلف في أمثاله وقول بعضهم : العرش موضع التدبير وما دونه موضع التفصيل وما دون السموات موضع التصريف فيه رائحة ما مما ذكرنا وأما تقدير يوم العروج هنا بألف سنة وفي آية أخرى بخمسين ألف سنة فقد كثر الكلام في توجيهه وقد تقدم لك بعض منه
وأخرج عبدالرزاق وسعيد بن منصور وإبن المنذر وإبن أبي حاتم وإبن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه عن عبدالله بن أبي مليكة قال : دخلت على إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أنا وعبدالله بن فيروز مولى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فسأله عن قوله تعالى : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة فكأن إبن عباس أتهمه فقال : ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فقال : إنما سألتك لتخبرني فقال رضي الله تعالى عنه هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه الله تعالى أعلم بهما وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست إلى أين المسيب فسأله عنهما إنسان فلم يخبر ولم يدر فقلت : ألا أخبرك بما سمعت من إبن عباس قال : بلى فأخبرته فقال للسائل : هذا إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أبي أن يقول فيهما وهو أعلم مني
وبعض المتصوفة يسمون اليوم المقدر بألف سنة باليوم الربوبي واليوم المقدر بخمسين ألف سنة باليوم الألهي ومحيي الدين قدس سره يسمى الأول يوم الرب والثاني يوم المعارج وقد ذكر ذلك وأياما أخر كيوم الشأن ويوم المثل ويوم القمر ويوم الشمس ويوم زحل وأيام سائر السيارة ويوم الحمل وأيام سائر البروج في الفتوحات وقد سألت رئيس الطائفة الكشفية الحادثة في عصرنا في كربلاء عن مسئلة فكتب في جوابها ما كتب وأستطرد بيان إطلاقات اليوم وعد من ذلك أربعة وستين إطلاقا منها إطلاقه على اليوم الربوبي وإطلاقه على اليوم الألهي وأظال الكلام في ذلك المقام ولعلنا إن شاء الله تعالى ننقل لك منه شيئا معتدا به في موضع آخر وسنذكر إن شاء الله تعالى أيضا تمام الكلام فيما يتعلق بالجميع بين هذه الآية وقوله سبحانه : تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وقوله تعالى مما تعدون صفة ألف أو صفة سنة
وقرأ إبن أبي عبلة يعرج بالبناء للمفعول والأصل يعرج به فحذف الجار وأستتر الضمير وقرأ جناح بن حبيش ثم يعرج الملائكة إليه بزيادة الملائكة قال أبو حيان : ولعله تفسير منه لسقوطه في سواد المصحف