كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)
هذا المحل وأصله حييان فقلبت الثانية ولوا على خلاف القياس فلامه ياء وإلى ذلك ذهب سيبويه
وقيل : إن لامه واو نظرا إلى ظاهر الكلمة وإلى حياة علم رجل ولا حجة على كونه ياء في حي لأن الواو في مثله تبدل ياء لكسر ما قبلها نحو شقي من الشقوة وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من معنى الحركة والإضطراب اللازم للحياة ولذلك أختير عليها في هذا المقام المقتضى للمبالغة وقد علمتها في وصف الحياة الدنيا المقابلة للدار الآخرة لو كانوا يعلمون 46 شرط جوابه محذوف أي لو كانوا يعلمون لما أروا عليها الدنيا التي أصلها عدم الحياة ثم ما يحدث فيها من الحياة فيها عارضة سريعة الزوال وشيكة الإضمحلال وكون لو للتمني بعيد فإذا ركبوا في الفلك متصل بما دل عليه شرح حالهم والركوب الإستعلاء على الشيء المتحرك وهو متعد بنفسه كما في لتركبوها وإستعماله ههنا وفي أمثاله نفي للإيذان بأن المركوب في نفسه من قبيل الأمكنة وحركته قسرية غير إرادية والفاء للتعقيب وفي الكلام معنى الغاية فكأنه قيل : هم مصروفون عن توحيد الله تعالى مع إقرارهم بما يقتضيه لأهون بما هو سريع الزوال ذاهلون عن الحياة الأبدية حتى إذا ركبوا في الفلك ولقوا الشدائد دعوا الله مخلصين له الدين أي كائنين في صورة من أخلص دينه وملته أو طاعته من المؤمنين حيث لا يذكرون إلا الله تعالى ولا يدعون سواه سبحانه لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو عزوجل وفيه تهكم به سواء أريد بالدين الملة أو الطاعة أما على الأول فظاهر وأما على الثاني فلأنهم لا يستمرون على هذه الحال فهي قبيحة بإعتبار المآل فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون 56 أي فاجؤا المعاودة إلى الشرك ولم يتأخروا عنها ولاوقتا
ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا الظاهر أن اللام في الموضعين لام كي أي يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شركهم وليتمتعوا بإجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادهم عليها فالشرك سبب لهذا الكفران وأدخلت لام كي على مسببه لجعله كالغرض لهم منه فهي لام العاقبة في الحقيقة وقيل : اللام فيهما لام الأمر والأمر بالكفران والتمتع مجاز في التخلية والخذلان والتهديد كما تقول عند الغضب على من يخالفك : أفعل ما شئت ويؤيده قراءة إبن كثير والأعمش وحمزة والكسائي وليتمتعوا بسكون اللام فإن لام كي لا تسكن وإذا كانت الثانية لذلك لام الأمر فالأولى مثلها ليتضح العطف وتخالفهما محوج إلى التكلف بأن يكون المراد كما قال أبو حيان عطف كلام على كلام لا عطف فعل على فعل وقوله تعالى : فسوف يعلمون 66 أي عاقبة ذلك حين يعاقبون عليه يوم القيامة مؤيد للتهديد أو لم يروا ألم ينظروا ولم يشاهدوا إنا جعلنا أي بلدهم حرما مكانا حرم فيه كثير مما ليس بمحرم في غيره من المواضع إمنا أهله عما يسؤوهم من السبي والقتل على أن أمنه كناية عن أمن أهله أو على أن الإسناد مجازي أو على أن في الكلام مضافا مقدرا وتخصيص أهل مكة وإن أمن كل من فيه حتى الطيور والوحوش لأن المقصود الإمتنان عليهم ولأن ذلك مستمر في حقهم وأخرج جويبر عن الضحاك عن إبن عباس أن أهل مكة قالوا : يا محمد ما يمنعنا أن ندخل في دينك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس لقلتنا والعرب أكثر منا فمتى بلغهم أنا قد دخلنا في دينك أختطفنا فكلنا أكلة رأس فأنزل الله تعالى : أو لم يروا إنا جعلنا حرما آمنا