كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)
هذا وتفسير يوم الفتح بيوم القيامة ظاهر على القول بأن المراد بالفتح الفصل للخصومة فقد قال سبحانه : إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة ولا يكاد يتسنى على القول بأن المراد به النصر على أولئك القائلين إذا كانوا عانين به النصر والغلبة عليهم في الدنيا كما هو ظاهر مما سمعت عن مجاهد وعليه قيل : المراد بيوم الفتح يوم بدر وأخرج ذلك الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما وقيل : يوم فتح مكة وحكى ذلك عن الحسن ومجاهد وأستشكل كلا القولين بأن قوله تعالى : يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ظاهر في عدم قبول الإيمان من الكافر يومئذ مع أنه آمن ناس يوم بدر فقبل منهم وكذا يوم فتح مكة
وأجيب بأن الموصول على كل منهما عبارة عن المقتولين في ذلك اليوم على الكفر فمعنى لا ينفعهم إيمانهم إنهم لا إيمان لهم حتى ينفعهم فهو على حد قوله :
على لا حب لا يهتدي بمناره
سواء أريد بهم قوم مخصوصون أستهزؤا أم لا وسواء عطف قوله تعالى : ولا هم ينظرون على المقيد أو على المجموع فتأمل
وتعقب بأن ذلك خلاف الظاهر وأيضا كون يوم الفتح يوم بدر بعيد عن كون السورة مكية وكذا كونه يوم فتح مكة ويبعد هذا أيضا قلة المقتولين في ذلك اليوم جدا تدبر
فأعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم وإستهزائهم وعن إبن عباس أن ذلك منسوخ بآية السيف ولا يخفى أنه يحتمل أن المراد الإعراض عن مناظرتهم لعدم نفعها أو تخصيصه بوقت معين فلا يتعين النسخ
وأنتظر النصرة عليهم وهلاكهم إنهم منتظرون 03 قال الجمهور : أي الغلبة عليكم كقوله تعالى : فتربصوا إنا معكم متربصون وقيل : الأظهر أن يقال : إنهم منتظرون هلاكهم كما في قوله تعالى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام الآية ويقرب منه ما قيل : وأنتظر عذابنا لهم إنهم منتظرون أي هذا حكمهم وإن كانوا لا يشعرون فإن إستعجالهم المذكور وعكوفهم على ما هم عليه من الكفر والمعاصي في حكم إنتظارهم العذاب المترتب عليه لا محالة وقرأ اليماني منتظرون بفتح الظاء أسم مفعول على معنى أنهم أحقاء أن ينتظر هلاكهم أو أن الملائكة عليهم السلام ينتظرونه والمراد أنهم هالكون لا محالة هذا
ومن باب الإشارة قوله تعالى : ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي الإلتفات إلى الأسباب والإعتماد عليها وقوله سبحانه : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض فيه إشارة إلى أن تدبير العباد عند تدبيره عزوجل لا أثر له فطوبى لمن رزق الرضا بتدبير الله تعالى وأستغنى به عن تدبيره الذي أحسن كل شيء خلقه فيه إرشاد إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يستقبح شيئا من المخلوقات وقد حكى أن نوحا عليه السلام بصق على كلب أجرب فأنطق الله تعالى الكلب فقال : يانوح أعبتني أم عبت خالقي فناح عليه السلام لذلك زمانا طويلا فالأشياء كلها حسنة كل في بابه والتفاوت إضافي وفي قوله تعالى : وبدأ خلق الإنسان من طين إلى آخر الآية بعد قوله سبحانه : الذي أحسن إلخ إشارة إلى التنقل في أطوار الحسن والعروج في معارجه فكم بين الطين والإنسان السميع البصير العالم فإن الإنسان مشكاة أنوار الذات والصفات والطين بالنسبة إليه كلا شيء إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم