كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)
في آخرين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين كالمغلوبين بل ذكر إبن هشام إنهم لما أتوا المدينة جعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون : يافرار فررتم في سبيل الله تعالى وكان رسول الله يقول : ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى وروى أن أم سلمة قالت لأمرأة سلمة بن هشام بن العاص بن المغيرة : مالي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومع المسلمين فقالت : والله ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس يافرار فررتم في سبيل الله حتى قعد في بيته ولم يخرج وذكر أبياتا لقيس اليعمري يعتذر فيها مما صنع يومئذ وصنع الناس وقد تضمنت كما قال بيان أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت وأن خالد بن الوليد إنحاز بمن معه على أن فيما ذكر أنه الصواب بحثا بعد فلعل الأولى في التوفيق إذا صحت هذه القراءة ما ذكر أولا فتأمل
وفي البحر كان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يحكى عن أبي الحكم بن برجان أنه أستخرج من قوله تعالى : ألم غلبت الرومإلى سنين إفتتاح المسلمين بيت المقدس معينا زمانه ويومه وكان إذ ذاك بيت المقدس قد غلبت عليه النصارى وإن إبن برجان مات قبل الوقت الذي عينه للفتح وأنه بعد موته بزمان أفتتحه المسلمون في الوقت الذي عينه أبو الحكم وكان أبو جعفر يعتقد في أبي الحكم هذا إنه كان يتطلع على أشياء من المغيبات يستخرجها من كتاب الله تعالى إنتهى وإستخراج بعض العارفين كمحيي الدين قدس سره والعراقي وغيرهم المغيبات من القرآن العظيم أمر شهير وهو مبني على قواعد حسابية وأعمال حرفية لم يرد شيء منها عن سلف الأمة ولا حجر على فضل الله عزوجل وكتاب الله تعالى فوق ما يخطر للبشر وقد سئل علي كرم الله تعالى وجهه هل أسر إليكم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيئا كتمه عن غيركم فقال : لا إلا أن يؤتي الله تعالى عبدا فهما في كتابه هذا ونسأل الله سبحانه أن يوفقنا لفهم أسرار كتابه بحرمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واصحابه
لله الأمر من قبل ومن بعد أي من قبل هذه الحالة ومن بعدها وهو حاصل ما قيل أي من قبل كونهم غالبين وهو وقت كونهم مغلوبين ومن بعد كونهم مغلوبين وهو وقت كونهم غالبين وتقديم الخبر للتخصيص والمعنى إن كلا من كونهم مغلوبين أولا وغالبين آخرا ليس إلا بأمر الله تعالى شأنه وقضائه عزوجل وتلك الأيام نداولها بين الناس وقرأ أبو السمال والجحدري عن العقيلي من قبل ومن بعد بالكسر والتنوين فيهما فليس هناك مضاف إليه مقدر اصلا على المشهور كأنه قيل : لله الأمر قبلا وبعدا أي في زمان متقدم وفي زمان متأخر وحذف بعضهم الموصوف وذكر السكاكي أن المضاف إليه مقدر في مثل ذلك أيضا والتنوين عوض عنه وجوز الفراء الكسر من غير تنوين وقال الزجاج : إنه خطأ لأنه إما أن لا يقدر فيه الإضافة فينون أو يقدر فيبنى على الضم وأما تقدير لفظه قياسا على قوله : بين ذراعي وجبهة الأسد فيقاس مع الفارق لذكره فيه بعد وما نحن فيه ليس كذلك وقال النحاس : للفراء في كتابه في القرآن أشياء كثيرة الغلط منه إنه زعم أنه يجوز من قبل ومن بعد بالكسر بلا تنوين وإنما يجوز من قبل ومن بعد على أنهما نكرتان أي من متقدم ومن متأخر وذهب إلى قول الفراء إبن هشام في بعض كتبه وحكى الكسائي عن بعض بني أسد لله الأمر من قبل ومن بعد على أن الأول مخفوض منون والثاني مضموم بلا تنوين
ويومئذ أي ويوم إذ يغلب الروم فارسا يفرح المؤمنون 4 بنصر الله وتغليبه من له كتاب على من لا كتاب له