كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)

وعيرها الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها أي يعلمون أمرا زائلا لإبقاء له ولا عاقبة من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة التي هي الغاية القصوى والمطلب الأسني وهم غافلون 7 لا تخطر ببالهم فكيف يتكفرون فيها وفيما يؤدي إلى معرفتها من الدنيا وأحوالها والجملة معطوفة على يعلمون وإيرادها أسمية للدلالة على إستمرار غفلتهم ودوامها و هم الثانية تكرير للأولى وتأكيد لفظي لها دافع للتجوز وعدم الشمول والفصل بمعمول الخبر وإن كان خلاف الظاهر لكن حسنه وقوع الفصل في التلفظ والإعتناء بالآخرة أو هو مبتدأ و غافلون خبره والجملة خبر هم الأولى وجملة يعلمون إلخ بدل من جملة لا يعلمون على ما ذهب إليه صاحب الكشاف فإن الجاهل الذي لا يعلم أن الله تعالى لا يخلف وعده أولا يعلم شؤونه تعالى السابقة ولا يتفكر في ذلك هو الذي قصر نظره على ظاهر الحياة الدنيا والمصحح للبدلية إتحاد ما صدقا عليه والنكتة المرجحة له جعل علمهم والجهل سواء بحسب الظاهر وجملة وهم عن الآخرة إلخ مناد على تمكن غفلتهم عن الآخرة المحققة لمقتضي الجملة السابقة تقريرا لجهالتهم وتشبيها لهم بالبهائم المقصور إدراكها على ظواهر الدنيا الخسيسة دون أحوالها التي هي من مباديء العلم بأمور الآخرة وأختار العلامة الطيبي أن جملة يعلمون إلخ إستئنافية لبيان موجب جهلهم بأن وعد الله تعالى حق وأن لله سبحانه الأمر من قبل ومن بعد وأنه جل شأنه ينصر المؤمنين على الكافرين ولعله الأظهر أو لم يتفكروا إنكار وإستقباح لقصر نظرهم على ما ذكر من ظاهر الحياة الدنيا مع الغفلة عن الآخرة والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام وقوله سبحانه : في أنفسهم ظرف للتفكر وذكره مع أن التفكر لا يكون إلا في النفس لتحقيق أمره وزيادة تصوير حال المتفكرين كما في أعتقده في قلبك وأبصره بعينك وقوله عزوجل : ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق متعلق إما بالعلم الذي يؤدي إليه التفكر ويدل عليه أو بالقول الذي يترتب عليه كما في قوله تعالى : ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا أي أعلموا ظاهر الحياة الدنيا فقط أو أقصروا النظر على ذلك ولم يحدثوا التفكر في قلوبهم فيعلموا أنه تعالى ما خلق السموات والأرض وما بينهما من المخلوقات التي هم من جملتها ملتبسة بشيء من الأشياء إلا ملتبسة بالحق أو يقولوا هذا القول معترفين بمضمونه أثر ما علموه والمراد بالحق هو الثابت الذي يحق أن يثبت لا محالة لإبتنائه على الحكم البالغة التي من جملتها إستشهاد المكلفين بذواتها وصفاتها وأحوالها على وجود صانعها ووحدته وعلمه وقدرته وإختصاصه بالمعبودية وصحة أخباره التي من جملتها إحياؤهم بعد الفناء بالحياة الأبدية ومجازاتهم بحسب أعمالهم عما يتبين المحسن من المسيء ويمتاز درجات أفراد كل من الفريقين حسب إمتياز طبقات علومهم وإعتقاداتهم المترتبة على أنظارهم فيما نصب في المصنوعات من الآيات والدلائل والإمارات والمخايل كما نطق به قوله تعالى : وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا فإن العمل غير مختص بعمل الجوارح ولذلك فسره عليه الصلاة و السلام بقوله : أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله تعالى وأسرع في طاعة الله عزوجل
وقوله سبحانه : وأجل مسمى عطف على الحق أي وبأجل معين قدره الله تعالى لبقائها لا بد لها من أن

الصفحة 22