كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)
وجاءتهم رسلهم بالبينات بالمعجزات أو الآيات الواضحات فما كان الله ليظلهم أي فكذبوهم فأهلكهم فما كان الله تعالى شأنه ليهلكهم من غير جرم يستدعيه من قبلهم وفي التعبير عن ذلك بالظلم إظهار لكمال نزاهته تعالى عنه وإلا فقد قال أهل السنة : إن إهلاكه تعالى من غير جرم ليس من الظلم في شيء لأنه عزوجل مالك والمالك يفعل بملكه ما يشاء والنزاع في المسئلة شهير ولكن كانوا أنفسهم يظلمون 9 حيث أرتكبوا بإختيارهم من المعاصي ما أوجب بمقتضى الحكمة ذلك وتقديم أنفسهم على يظلمون للفاصلة وجوز أن يكون للحصر بالنسبة إلى الرسل الذين يدعونهم ثم كان عاقبة الذين أساؤا أي عملوا السيئات ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالإساءة والإشعار بعلة الحكم و ثم للتراخي الحقيقي أو للإستبعاد والتفاوت في الرتبة السوأي أي العقوبة السوأي وهي العقوبة بالنار فإنها تأنيث الأسوأ كالحسنى تأنيث الأحسن أو مصدر كالبشرى وصف به العقوبة مبالغة كأنها نفس السوء وهي مرفوعة على أنها أسم كان خبرها عاقبة
وقرأ الحرميان وأبو عمرو عاقبة بالرفع على أنه أسم كان و السوأي بالنصب على الخبرية وقرأ الأعمش والحسن السوي بإبدال الهمزة واوا وإدغام الواو فيها وقرأ إبن مسعود السوء بالتذكير أن كذبوا بآيات الله علة للحكم المذكور أي لأن أو بأن كذبوا وهو في الحقيقة مبين لما أشعر به وضع الموصول موضع الضمير لأنه مجمل وقوله تعالى : وكانوا بها يستهزؤن 01 عطف على كذبوا داخل معه في حكم العلية وإيراد الإستهزاء بصيغة المضارع للدلالة على إستمراره وتجدده وجوز أن يكون السوأي مفعولا مطلقا لأساؤا من غير لفظه أو مفعولا به له لأن أساؤا بمعنى أقترفوا وأكتسبوا والسوأي بمعنى الخطيئة لأنه صفة أو مصدر مؤول بها وكونه صفة مصدر أساؤا من لفظه أي الإساءة السوأي بعيد لفظا مستدرك معنى و أن كذبوا أسم كان وكون التكذيب عاقبتهم مع أنهم لم يخلوا عنه إما بإعتبار إستمراره أو بإعتبار أنه عبارة عن الطبع وجوز أيضا أن يكون أن كذبوا بدلا من السوأي الواقع أسما لكان أو عطف بيان لها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي أن كذبوا وأن تكون أن تفسيرية بمعنى أي والمفسر أما أساؤا أو السوأي فإن الإساءة تكون قولية كما تكون فعلية فإذن ما قبلها مضمن معنى القول دون حروفه ويظهر ذلك التضمن بالتفسير وإذا جاز وأنطلق الملأ منهم أن أمشوا فهذا أجوز فليس هذا الوجه متكلفا خلافا لأبي حيان وجوز في قراءة الحرميين وأبي عمرو أن تكون السوأي صلة الفعل وأن كذبوا تابعا له أو خبر مبتدأ محذوف أو على تقدير حرف التعليل وخبر كان محذوفا تقديره وخيمة ونحوه وتعقب ذلك في البحر فقال : هو فهم أعجمي لأن الكلام مستقل في غاية الحسن بلا حذف وقد تكلف له محذوف لا يدل عليه دليل وأصحابنا لا يجيزون حذف خبر كان ألله يبدؤا الخلق أي ينشئهم
وقرأ عبدالله وطلحة يبديء بضم الياء وكسر الدال وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر فما بالعهد من قدم
ثم يعيده بالبعث ثم إليه ترجعون 11 للجزاء وتقديم المعمول للتخصيص وكان الظاهر يرجعون بياء الغيبة إلا أنه عدل عنه إلى خطاب المشركين لمكافحتهم بالوعيد ومواجهتهم بالتهديد وإيهام إن ذلك مخصوص بهم فهو إلتفات للمبالغة في الوعيد والترهيب وقرأ أبو عمرو وروح يرجعون بياء الغيبة كما هو الظاهر