كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)

وفي البحر التنوين في يومئذ تنوين عوض من الجملة المحذوفة أي ويوم تقوم الساعة يوم إذ يبلس المجرمون يتفرقوا 41 وظاهره أن يومئذ ظرف لتقوم ولا يخفى ما في جعل الجملة المعوض عنها التنوين حينئذ ما ذكره من النظر
وفي إرشاد العقل السليم أن قوله تعالى : يومئذ يتفرقون تهويل ليوم قيام الساعة إثر تهويل وفيه رمز إلى أن التفرق يقع في بعض منه وفي وجه الرمز إلى ذلك بما ذكر خفاء ومضير يتفرقون للمسلمين والكافرين الدال عليهما ما قبل من عموم الخلق وما بعد من التفصيل وذهب إلى ذلك الزمخشري وجماعة
وقال في الإرشاد : هو لجميع الخلق المدلول عليهم بما تقدم من مبدئهم ومرجعهم وإعادتهم لا المجرمون خاصة وقال أبو حيان : يظهر أنه عائد على الخلق قبله وهو المذكور في قوله تعالى : الله يبدأ الخلق ثم يعيده والمراد بتفرقهم إختلافهم في المحال والأحوال كما يؤذن به التفصيل وليس ذلك بإعتبار كل فرد بل بإعتبار كل فريق فقد أخرج إبن أبي حاتم عن الحسن أنه قال في ذلك هؤلاء في عليين وهؤلاء في أسفل سافلين والتفصيل يؤذن بذلك أيضا وهذا التفرق بعد تمام الحساب
فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون 51 الروضة الأرض ذات النبات والماء وفي المثل أحسن من بيضة في روضة يريدون بيضة النعامة وبإعتبار الماء قيل : أراض الوادي وأستراض أي كثر ماؤه وأراضهم أرواهم بعض الري من أراض الحوض إذا صب فيه من الماء ما يواري أرضه ويقال : شربوا حتى أراضوا أي شربوا عللا بعد نهل وقيل : معنى أراضوا صبوا اللبن على اللبن وظاهر تفسير الكثير للروضة إعتبار النبات والماء فيها وأظن أن إبن قتيبة صرح بأنه لا يقال لأرض ذات نبات بلا ماء روضة
وقيل : هي البستان الحسن وقيل : موضع الخضرة وقال الخفاجي : الروضة البستان وتخصيصها بذات الأنهار بناء على العرف وأياما كان فتنوينها هنا للتفخيم والمراد بها الجنة والحبر السرور يقال : حبره يحبره بالضم حبرا وحبرة وحبورا إذا سره سرورا تهلل له وجهه وظهر فيه أثره وفي المثل أمتلأت بيوتهم حبرة فهم ينتظرون العبرة وحكى الكسائي حبرته أكرمته ونعمته وقيل : الحبرة كل نعمة حسنة والتحبير التحسين ويقال : فلان حسن الحبر والسبر بالفتح إذا كان جميلا حسن الهيئة وأختلفت الأقوال في تفسيره هنا فأخرج إبن جرير وإبن المنذر عن إبن عباس وإبن أبي حاتم عن الضحاك أنهما قالا : يحبرون يكرمون
وأخرج جماعة عن مجاهد يحبرون ينعمون وقال أبو بكر إبن عياش : يتوجون على رؤوسهم
وقال إبن كيسان : يحلون وقال الأوزاعي ووكيع ويحيى بن أبي كثير : يسمعون الأغاني وأخرج عبد بن حميد عن الأخير أنه قال : قيل يارسول الله ما الحبر فقال عليه الصلاة و السلام : اللذة والسماع
وذكر بعضهم أن الظاهر يسرون ولم يذكر ما يسرون به إيذانا بكثرة المسار وما جاء في الخبر فمن باب الإقتصار على البعض ولعل السائل كان يحب السماع فذكره صلى الله تعالى عليه وسلم له لذلك والتعبير بالمضارع للإيذان بتجدد السرور لهم ففي كل ساعة يأتيهم ما يسرون به من متجددات الملاذ وأنواعها المختلفة
وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا التي من جملتها الآيات الناطقة بما فصل ولقاء الآخرة أي وكذبوا بالبعث وصرح بذلك مع إندراجه في تكذيب الآيات للإعتناء به وقوله تعالى : فأولئك

الصفحة 26