كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)
ولا تقدير للضمير أصلا يخرج الحي من الميت الإنسان من النطفة ويخرج الميت من الحي النطفة من الإنسان وهو التفسير المأثور عن إبن عباس وإبن مسعود ولعل مرادهما التمثيل وعن مجاهد يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن وقيل : أي يعقب الحياة بالموت وبالعكس ويحيي الأرض بالنبات بعد موتها يبسها فالأحياء والموت مجازان وكذلك أي مثل ذلك الإخراج البديع الشأن تخرجون 91 من قبوركم وقرأ إبن وثاب وطلحة والأعمش تخرجون بفتح التاء وضم الراء وهذا على ما قيل نوع تفصيل لقوله تعالى : يبدأ الخلق ثم يعيده ومن آياته الباهرة الدالة على أنكم تبعثون دلالة أوضح من دلالة ما سبق فإن دلالة بدأ خلقهم على إعادتهم أظهر من دلالة إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي ومن دلالة إحياء الأرض بعد موتها عليها أن خلقكم أي في ضمن خلق آدم عليه السلام لما مر مرارا من أن خلقه عليه السلام منطو على خلق ذرياته إنطواء إجماليا من تراب لم يشم رائحة الحياة قط ولا مناسبة بينه وبين ما أنتم عليه في ذاتكم وصفاتكم وقيل : خلقهم من تراب لأنه تعالى خلق مادتهم منه فهو مجاز أو على تقدير مضاف ثم إذا أنتم بشر تنطقون 02 أي في الأرض تتصرفون في أغراضكم وأسفاركم وإذا فجائية و ثم على ما ذهب إليه أبو حيان للتراخي الحقيقي لما بين الخلق والإنتشار من المدة وقال العلامة الطيبيب : إنها للتراخي الرتبي لأن المفاجأة تأبى الحقيقة ورد بأنه لا مانع من أن يفاجيء أحدا أمر بعد مضي مدة من أمر آخر أو أحدهما حقيقي والآخر عرفي وتعقب بأنه على تسليم صحته يأباه الذوق فإنه كالجمع بين الضب والنون فما ذكره الطيبي أنسب بالنظم القرآني والظاهر أن الجملة معطوفة عل ىالمبتدأ قبلها وهي بتأويل مفرد كأنه قيل : ومن آياته خلقكم من تراب ثم مفاجأتكم وقت كونكم بشرا منتشرين كذا قيل وفي وقوع الجملة مبتدأ بمثل هذا التأويل نظر إلا أن يقال : إنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع ويتخيل من كلام بعضهم أن العطف على خلقكم بحسب المعنى حيث قال : أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشرا منتشرين ويفهم من كلام صاحب الكشف في نظير الآية أعنى قوله تعالى الآتي : ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون أنه أقيمت الجملة مقام المفرد من حيث المعنى لأنها تفيد فائدته والكلام على أسلوب مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا لأنه في معنى وأمن داخله وأما من حيث الصورة فهي جملة معطوفة على قوله تعالى : ومن آياته أن خلقكم وفائدة هذا الأسلوب الإشعار بأن ذلك آية خارجة من جنس الآيات مستقلة بشأنها مقصودة بذاتها فتأمل ومن آياته الدالة على البعث أيضا أن خلق لكم أي لأجلكم من أنفسكم أزواجا فإن خلق أصل أزواجكم حواء من ضلع آدم عليه السلام متضمن لخلقهن من أنفسكم على ما عرفت من التحقيقفمن تبعيضية والأنفس بمعناها الحقيقي ويجوز أن تكون من إبتدائية والأنفس مجاز عن الجنس أي خلق لكم من جنسكم لا من جنس آخر قيل : وهو الأوفق بقوله تعالى : لتسكنوا إليها أي لتميلوا إليها يقال : سكن إليه إذا مال فإن المجانسة من دواعي النظام والتعارف كما أن