كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)

أي المتصفين بالعلم كما في قوله تعالى : وما يعقلها إلا العالمون وقرأ الكثير العالمين بفتح اللام وفيه دلالة على وضوح الآيات وعدم خفائها على أحد من الخلق كافة ومن آياته منامكم أي نومكم بالليل والنهار لإستراحة القوى النفسانية وتقوى القوى الطبيعية وإبتغاؤكم أي طلبكم من فضله اي بالليل والنهار وحذف ذلك لدلالة ما قيل عليه ونظيره قوله : عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ومقتلهم عند الوغى كان أغدرا فإنه أراد يقتلون نفوسهم عند السلم وحذف لدلالة الوغى في الشطر الثاني عليه والنوم بالليل والإبتغاء من الفضل أي الكسب بالنهار أمران معتادان وأما النوم بالنهار فكتوم القيلولة وأما الكسب بالليل فكما يقع من بعض المكتسبين وأهل الحرف من السعي والعمل ليلا لا سيما في أطول الليالي وعدم وفاء نهارهم بأغراضهم ومن ذلك حراسه الحوانيت بالأجرة وكذا قطع البراري في الأسفار ليلا للتجارة ونحوها وقال الزمخشري : وهذا من باب اللف وترتيبه ومن آياته منامكم وإبتغاؤكم من فضله بالليل والنهار إلا أنه فصل بين الفريقين الأولين أعني منامكم وإبتغاؤكم بالقرينين الآخرين أعني الليل والنهار لأنهما ظرفان والظرف والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة على الإتحاد وهو الوجه الظاهر لتكرره في القرآن وأسد المعاني ما دل عليه القرآن إنتهى والظاهر أنه أراد باللف الإصطلاحي ولا يابى ذلك توسيط الليل لأنهما في نية التأخير وإنما وسطا للإهتمام بشأنهما لأنهما من الآيات في الحقيقة لا المنام والإبتغاء على ما حققه في الكشف مع تضمن توسيطهما مجاورة كل لما وقع فيه فالجار والمجرور قيل حال مقدمة من تأخير أي كائنين بالليل والنهار وقيل : خبر مبتدأ محذوف أي وذلك بالليل والنهار والجملة في النظم الكريم معترضة وعلى كلا القولين لا يرد على الزمخشري لزوم كون النهار معمولا للإبتغاء مع تقدمه عليه وعطفه على معمول منامكم وفي إقتران الفضل بالإبتغاء إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه جل وعلا
إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون 32 أي شأنهم أن يسمعوا الكلام سماع تفهم وإستبصار وفيه إشارة إلى ظهور الأمر بحيث يكفي فيه مجرد السماع لمن له فهم وبصيرة ولا يحتاج إلى مشاهدة وإن كان مشاهدا
وقال الطيبي : جيء بالفاصلة هكذا لأن أكثر الناس منسدحون بالليل كالأموات ومترددون بالنهار كالبهائم لا يدرون فيم هم ولم ذلك لكن من ألقى السمع وهو شهيد يتنبه لوعظ الله تعالى ويصغى إليه لأن مر الليالي وكر النهار يناديان بلسان الحال الرحيل الرحيل من دار الغرور إلى دار القرار كما قال تعالى : وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا وذكر الإمام أن من الأشياء ما يحتاج في معرفته إلى موقف يوقف عليه ومرشد يرشد إليه فيفهم إذا سمع من ذلك المرشد ولما كان المنام والإبتغاء قد يقع لكثير أنهما من أفعال العباد فيحتاج معرفة أنهما من آياته تعالى إلى مرشد يعين الفكر قيل : لقوم يسمعون فكأنه قيل : لقوم يسمعون ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد إنتهى ولعل الإحتياج إلى مرشد يعين الفكر في أن الليل والنهار من الآيات بناء على ما سمعت في بيان نكتة التوسيط أظهر فتأمل ومن آياته يريكم البرق ذهب أبو علي إلى أنه بتقدير أن المصدرية والأصل أن يريكم فحذف أن وأرتفع الفعل وهو الشائع بعد الحذف في مثل ذلك وشذ بقاؤه منصوبا بعده وقد روى بالوجهين قول طرفة :

الصفحة 32