كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي وجوز كونه مما نزل فيه الفعل منزلة المصدر فلا نقدر أن بل الفعل مستعمل في جزء معناه وهو الحدث مقطوع فيه النظر عن الزمان فيكون أسما في صورة الفعل فيريكم بمعنى الرؤية وحمل على ذلك في المشهور قولهم : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه وجوز فيه أن يكون مما حذف فيه أن وأيد بأنه روى فيه تسمع بالنصب أيضا ولم يرتضه بعض الأجلة لأن المعنى ليس على الإستقبال وأما أن تراه فالإستقبال فيه بالنسبة إلى السماع فلا ينافيه ومثله قوله : فقالوا ما تشاء فقلت الهو إلى الأصباح آر ذي أثير ورجح الحمل على التنزيل منزلة اللازم دلالة على أنه كالحال إهتماما بشأن المراد لقوله : آثر ذي أثير والتعليل بأن ما تشاء سؤال عما يشاؤه في الحال وأن للإستقبال ليس بالوجه لأن المشيئة تتعلق بالمستقبل أبدا وقال الجامع الأصفهاني : تقدير الآية ومن آياته آية يريكم البرق على أن يريكم صفة وحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه كما في قوله : وما الدر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح أي فمنهما تارة أموت قيل فلا بد من راجع فقدر فيها أو بها ونص على الثاني الرماني كما في البحر وكلاهما لا يسدكما في الكشفعليه المعنى وقيل : التقدير ومن آياته البرق قم أستؤنف يريكم البرق وقيل : من آياته حال من البرق أي يريكم البرق حال كونه من آياته وجوز أبو حيان تعلقه بيريكم و من لإبتداء الغاية وفيه مخالفة لنظرائه
وفي الكشف لعل الأوجه أن يكون من آياته خبر مبتدأ محذوف أي من آياته ما يذكر أو ما يتلى عليكم ثم قيل : يريكم البرق بيانا لذلك ثم قال : وهذا أقل تكلفا من الكل وأنت تعلم أن الأوجه ما توافق الآية به نظائرها
خوفا أي من الصواعق وطمعا في المطر قاله الضحاك وقال قتادة : خوفا للمسافر لأنه علامة المطر وهو يضره لعدم ما يكنه ولا نفع له فيه وطمعا للمقيم وقيل : خوفا أن يكون خلبا وطمعا أن يكون ماطرا وقال إبن سلام : خوفا من البرد أن يهلك الزرع وطمعا في المطر ونصبهما على العلة عند الزجاج وهو على مذهب من لا يشترط في نصب المفعول له إتحاد المصدر والفعل المعلل في الفاعل ظاهر وأما على مذهب الأكثرين المشترطين لذلك فقيل في توجيهه : إن ذلك على تقدير مضاف أي إرادة خوف وطمع أو على تأويل الخوف والطمع بالإخافة والإطماع إما بأن يجعل أصلهما ذلك على حذف الزوائد أو بأن يجعلا مجازين عن سببيهما
وقيل : إن ذلك لأن إرادتهم تستلزم رؤيتهم فالمفعولون فاعلون في المعنى فكأنه قيل : لجعلكم رائين خوفا وطمعا
وأعترض بأن الخوف والطمع ليسا غرضين للرؤية ولا داعيين لها بل يتبعانها فكيف يكونان علة على فرض الأكتفاء بمثل ذلك عند المشترطين ووجه بأنه ليس المراد بالرؤية مجرد وقوع البصر بل الرؤية القصدية بالتوجه والإلتفات فهو مثل قعدت عن الحرب جبنا ولم يرتض ذلك أبو حيان أيضا ثم قال : لو قيل على مذهب المشترطين أن التقدير يريكم البرق فترونه خوفا وطمعا فحذف العامل للدلالة عليه لكان إعرابا سائغا وقيل : لعل الأظهر