كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)

نصبهما على العلة للإراءة لوجود المقارنة والإتحاد في الفاعل فإن الله تعالى هو خالق الخوف والطمع وكون معنى قول النحاة لا بد أن يكون المفعول له فعل الفاعل أنه لا بد من كونه متصفا به كالإكرام في قولك : جئتك إكراما لك أن سلم فلا حجر من الإنتصاب على التشبيه في المقارنة والإتحاد المذكور
وتعقب بأن يكون المعنى ما ذكر مما لا شبهة فيه وقد ذكره صاحب الإنتصاف وغيره فإن الفاعل اللغوي غير الفاعل الحقيقي فالتوقف فيه وإدعاء أنه لا حجر من الإنتصاب على التشبيه مما لا وجه له وأنا أميل إلى عدم إشتراط الإتحاد في الفاعل لكثرة النصب مع عدم الإتحاد كما يشهد بذلك التتبع والرجوع إلى شرح الكافية للرضى والتأويل مع الكثرة مما لا موجب له وجوز أن يكون النصب هنا عل ىالمصدر أي تخافون خوفا وتطمعون طمعا على أن تكون الجملة حالا وأولى منه أن يكونا نصبا عل ىالحال أي خائفين وطامعين
وينزل من السماء ماء وقرأ غير واحد بالتخفيف فيحيي به أي بسبب الماء الأرض بأن يخرج سبحانه به النبات بعد موتها يبسها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون 42 يستعملون عقولهم في إستنباط أسبابها وكيفية تكونها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع جل شأنه وحكمته سبحانه وقال الطيبي : لما كان ما ذكر تمثيلا لأحياء الناس وإخراج الموتى وكان التمثيل لأدناء المتوهم المعقول وإراءة المتخيل في صورة المحقق ناسب أن تكون الفاصلة لقوم يعقلون
ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره
أي بقوله تعالى قوما أو بإرادته عزوجل والتعبير عنها بالأمر للدلالة على كمال القدرة والغنى عن المبادي والأسباب وليس المراد بإقامتهما إنشاءهما لأنه قد بين حاله بقوله تعالى : ومن آياته خلق السموات والأرض ولا إقامتهما بغير مقيم محسوس كما قيل فإن ذلك من تتمات إنشائهما وإن لم يصرح به تعويلا على ما ذكر في موضع آخر من قوله تعالى : خلق السموات بغير عمد ترونها الآية بل قيامهما وبقاؤهما على ما هما عليه إلى أجلهما الذي أشير إليه بقوله تعالى فيما قيل : ما خلق الله السموات والازض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى
ولما كان البقاء مستقبلا بإعتبار أواخره وما بعد نزول هذه الآية أظهرت هنا كلمة أن التي هي علم في الإستقبال والإمام ذهب إلى أن القيام بمعنى الوقوف وعدم النزول ثم قال على ما لخصه بعضهم : ذكرت أن ههنا دون قوله تعالى : ومن آياته يريكم البرق لأن القيام لما كان غير متغير أخرج الفعلبأن العلم في الإستقبال وجعل مصدرا ليدل على الثبوت وإراءة البرق لما كانت من الأمور المتجددة جيء بلفظ المستقبل ولم يذكر معه ما يدل على المصدر ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون 52 إذ الأولى شرطية والثانية فجائية نائبة مناب الفاء في الجزاء لإشتراكهما في التعقيب والجملة الشرطية قيل : معطوفة على أن تقوم على تأويل مفرد كأنه قيل : ومن آياته قيام السماء والأرض بأمره ثم خروجكم من قبوركم بسرعة إذا دعاكم وصاحب الكشف يقول : إنها أقيمت مقام المفرد من حيث المعنى وأما من حيث الصورة فهي جملة معطوفة على قوله تعالى : ومن آياته أن تقوم وذلك على أسلوب مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا وفائدته ما سمعته قريبا وظاهر كلام بعض الأفاضل أن العطف عليه ظاهر في عدم قصد عد ما ذكر آية وأختار أبو السعود عليه الرحمة كون العطف من عطف الجمل وأن المذكور ليس من الآيات قال : حيث كانت آية قيام السماء والأرض بأمره تعالى متأخرة عن سائر الآيات المعدودة متصلة

الصفحة 34