كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)
وقال إبن جبير : قانتون مخلصون وقيل : مقرون بالعبودية وعليهما ليس العموم على ظاهره وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده بعد الموت والتكرير لزيادة التقرير لشدة إنكارهم البعث والتمهيد لما بعده من قوله تعالى : وهو أهون عليه الضمير المرفوع للإعادة وتذكيره لرعاية الخبر أو لأنها مؤولة بأن والفعل وهو في حكم المصدر المذكر أو لتأويلها بالبعث ونحوه وكونه راجعا إلى مصدر مفهوم من يعيد وهو لم يذكر بلفظ الإعادة لا يفيد على ما قيل لأنه آشتهر به فكأنه إذا فهم منه يلاحظ فيه خصوص لفظه والضمير المجرور لله تعالى شأنه و أهون للتفضيل أي والإعادة أسهل على الله تعالى من المبدأ والأسهلية على طريقة التمثيل بالنسبة لما يفعله البشر مما يقدرون عليه فإن إعادة شيء من مادته الأولى أهون عليهم من إيجاده إبتداء والمراد التقريب لعقول الجهلة المنكرين للبعث وإلا فكل الممكنات بالنسبة إلى قدرته تعالى عزوجل سواء فكأنه قيل : وهو أهون عليه بالإضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم
وذكر الزمخشري وجها آخر للتفضيل وهو أن الإنشاء من قبيل التفضل الذي يتخير فيه الفاعل بين أن يفعله وأن لا يفعله والإعادة من قبيل الواجب الذي لا بد من فعله لأنها لجزاء الأعمال وجزاؤها واجب والأفعال أما محال والمحال ممتنع أصلا خارج عن المقدور وأما ما يصرف الحكيم عن فعله صارف وهو القبيح وهو رديف المحال لأن الصارف يمنع وجود الفعل كما تمنعه الإحالة وأما تفضل والتفضل حاله بين بين للفاعل أن يفعله وأن لا يفعله وأما واجب لا بد من فعله ولا سبيل إلى الإخلال به فكان الواجب أبعد الأفعال من الإمتناع وأقربها من الحصول فلما كانت الإعادة من قبيل الواجب كانت أبعد الأفعال من الإمتناع وإذا كانت أبعدها منه كانت أدخلها في التأني والتسهل فكانت أهون منها وإذا كانت كذلك كانت أهون من الإنشاء قال في التقريب : وفيه نظر لأنه مبني على الوجوب العقلي ولأن الوجوب إذا كان بالذات نافي القدرة كالإمتناع وإلا كان ممكنا فتساوى الفعلان لإشتراكهما في مصحح المقدوية وهو الإمكان
وتعقبه الكشف بقوله أقول : إنه غير واجب بالذات ولا يلزم منه المساواة مع التفضل في سهولة التأتي وأما المساواة في مصحح المقدورية فلا مدخل لها فيما نحن فيه والحاصل منه أنه لو سلم منه أن الداعي إلى فعله أقوى فلا شك أنه أقرب إلى الوجود مما لا يكون الداعي كذلك نعم إذا خلص الداعي إلى القسمين صارا سواء وليس البحث على ذلك التقدير
والحق ما قاله أبو السعود من أنه ليس المراد بأهونية الفعل أقربيته إلى الوجود بإعتبار كثرة الأمور الداعية للفاعل إلى إيجاده وقوة إقتضائها لتعلق قدرته به بل أسهلية تأتيه وصدوره عنه عند تعلق قدرته بوجوده وكونه واجبا بالغير ولا تفاوت في ذلك بين أن يكون ذلك التعلق بطريق الإيجاب أو بطريق الإختيار وروى الزجاج عن أبي عبيدة وكثير من أهل اللغة أن أهون ههنا بمعنى هين وروى ذلك عن إبن عباس والربيع وكذا هو في مصحف عبدالله وهذا كما يقال : الله تعالى أكبر أي كبير وأنت أوحد الناس أي واحدهم وإني لأوجل أي وجل وفي الكشف التحقيق أنه من باب الزيادة المطلقة وإنما قيل بمعنى الهين لأنه يؤدي مؤداه وقيل : أفعل على ظاهره وضمير عليه عائد عل ىالخلق على معنى أن الإعادة أيسر على المخلوق لأن البداءة فيها تدريج من طور إلى طور إلى أن يصير إنسانا والإعادة لا تحتاج إلى التدريجات في الأطوار إنما يدعوه الله تعالى فيخرج