كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)
وأما على معنى أن الإعادة أسهل على المخلوق أي أن يعيدوا شيئا ويفعلوه ثانيا بعد ما زاولوا فعله وعرفوه ولا أسهل من أن يفعلوه أولا قبل المزاولة وإذا كان هذا حال المخلوق فما بالك بالخالق ولا يخفى أن الظاهر رجوع الضمير إليه تعالى ثم إن الجار والمجرور صلة أهون وقدمت الصلة في قوله تعالى : وهو علي هين وأخرت هنا لأنه قصد هنالك الإختصاص وهو محزه فقيل هو علي هين وإن كان صعبا عندكم أن يولد بين هم وعاقر وأما ههنا فلا معنى للإختصاص كيف والأمر مبني على ما يعقلون من أن الإعادة أسهل من الإبتداء فلو قدمت الصلة لتغير المعنى ولما أخبر سبحانه بأن الإعادة أهون عليه على طريق التمثيل عقب ذلك بقوله تعالى : وله تعالى شأنه خاصة المثل أي الوصف العجيب الشأن كالقدرة العامة والحكمة التامة وسائر صفات الكمال الأعلى الذي ليس لغيره ما يدانيه فضلا عما يساويه فكأنه قيل هذا لتفهيم العقول القاصرة إذ صفاته تعالى عجيبة وقدرته جل شأنه عامة وحكمته سبحانه تامة فكل شيء بدأ وإعادة وإيجادا وإعداما على حد سواء ولا مثل له تعالى ولاند وعن قتادة ومجاهد أن المثل الأعلى لا إله إلا الله ولعلهما أرادا بذلك الوحدانية في ذاته تعالى وصفاته سبحانه والكلام عليه مرتبط بما قبله أيضا كأنه قيل : ما ذكر لتفهيم العقول القاصرة لأنه تعالى لا يشاركه أحد في ذاته تعالى وصفاته عزوجل وقيل : مرتبط بما بعده من قوله تعالى : ضرب لكم مثلا من أنفسكم وقال الزجاج : المثل قوله تعالى : هو أهون عليه قد ضربه الله تعالى مثلا فيما يسهل ويصعب عندكم وينقاس على أصولكم فاللام في المثل للعهد وهو محمول على ظاهره غير مستعار للوصف العجيب الشأن في السموات والأرض متعلق بمضمون الجملة المتقدمة على معنى أنه سبحانه قد وصف بذلك وعرف به فيهما على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل وقيل : بالأعلى وقيل : بمحذوف هو حال منه أو من المثل أو من ضميره في الأعلى وقيل : متعلق بما تعلق به له أي له في السموات والأرض المثل الأعلى والمراد أن دلالة خلقهما على عظيم القدرة أتم من دلالة الإنشاء فهو أدل على جواز الإعادة ولهذا جعل أعلى من الإنشاء فتأمل وهو العزيز القادر الذي لا يعجز عن بدء ممكن وإعادته الحكيم 72 الذي يجري الأفعال على سنن الحكمة والمصلحة ضرب لكم مثلا يتبين به بطلان الشرك من أنفسكم أي منتزعا من أحوالها التي هي أقرب الأمور إليكم وأعرفها عندكم وأظهرها دلالة على ما ذكر من بطلان الشرك لكونها بطريق الأولوية و من لإبتداء الغاية وقوله تعالى : هل لكم إلى آخره تصوير للمثل والإستفهام إنكاري بمعنى النفي و لكم خبر مقدم وقوله تعالى : من ما ملكت أيمانكم في موضع الحال من شركاء بعد لأنه نعت نكرة تقدم عليها والعامل فيها كما في البحر هو العامل في الجار والمجرور الواقع خبرا و من للتبعيض و ما واقعة على النوع وقوله تعالى : من شركاء مبتدأ و من مزيدة لتأكيد النفي المستفاد من الإستفهام وقوله تعالى : في ما رزقناكم متعلق بشركاء أي هل شركاء فيما رزقناكم من الأموال وما يجري مجراها مما تنصرفون فيه كائنون من النوع الذي ملكته أيمانكم من نوع العبيد والأماء كائنون لكم
وجوز أن يكون لكم متعلقا بشركاء ويكون فيما رزقناكم في موضع الخبر كما تقول لزيد في المدينة