كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)
مبشرات بإعتبار المعنى فإن الحال قد يقصد بها التعليل نحو أهن زيدا مسيئا أي لإساءته فكأنه قيل : لتبشركم وليذيقكم وكونه من عطف التوهم توهم أو على يرسل بإضمار فعل معل والتقدير ويرسلها ليذيقكم وكون التقدير ويجري الرياح ليذيقكم بعيد قيل : أو على جملة ومن آياته إلخ بتقدير وليذيقكم أرسلها أو فعل ما فعل ولم يعتبره بعضهم لأن المقصود إندراج الإذاقة في الآيات وقيل : الواو زائدة ولتجري الفلك في البحر عند هبوبها بأمره عزوجل وإنما جيء بهذا القيد لأن الريح قد تهب ولا تكون مواتية فلا بد من إنضمام إرادته تعالى وأمره سبحانه للريح حتى يتأتى المطلوب وقيل : للإشارة إلى أن هبوبها مواتية أمر من أموره تعالى التي لا يقدر عليها غيره عزوجل ولتبتغوا من فضله بتجارة البحر ولعلكم تشكرون 64 أي ولتشكروا نعمة الله تعالى فيما ذكر ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم إعتراض لتسليته بمن قبله على وجه يتضمن الوعد له عليه الصلاة و السلام والوعيد لمن عصاه وفي ذلك أيضا تحذير عن الإخلال بمواجب الشكر
والمراد بقومهم أقوامهم والأفراد للإختصار حيث لا لبس والمعنى ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى أقوامهم كما أرسلناك إلى قومك فجاؤهم بالبينات أي جاء كل قوم رسولهم بما يخصه من البينات كما جئت قومك ببيناتك فأنتقمنا من الذين أجرموا الفاء فصيحة أي فآمن بعض وكذب بعض فأنتقمنا وقيل أي فكذبوهم فأنتقمنا منهم ووضع الموصول موضع ضميرهم للإشعار بالعلة والتنبيه على مكان المحذوف وجوز أن تكون تفصيلا للعموم بأن فيهم مجرما مقهورا ومؤمنا منصورا وكان حقا علينا نصر المؤمنين 74 فيه مزيد تشريف وتكرمة للمؤمنين حيث جعلوا مستحقين على الله تعالى أن ينصرهم وإشعار بأن الإنتقام لأجلهم والمراد بهم ما يشمل الرسل عليهم الصلاة والسلام وجوز تخصيص ذلك بالرسل بجعل التعريف عهديا وظاهر الآية أن هذا النصر في الدنيا وفي بعض الآثار ما يشعر بعدم إختصاصه بها وأنه عام لجميع المؤمنين فيشمل من بعد الرسل من الأمة
أخرج إبن أبي حاتم والطبراني وإبن مردويه عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله يقول ما من أمريء مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله تعالى أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة ثم تلا عليه الصلاة و السلام وكان حقا علينا نصر المؤمنين وفي هذا إشعار بأن حقا خبر كان ونصر المؤمنين الأسم كما هو الظاهر وإنما أخر الأسم لكون ما تعلق به فاصلة وللإهتمام بالخبر إذ هو محط الفائدة على ما في البحر
قال إبن عطية : ووقف بعض القراء على حقا على أن أسم كان ضمير الإنتقام أي وكان الإنتقام حقا وعدلا لا ظلما ورجوعه إليه على حد أعدلوا هو أقرب للتقوى و علينا نصر المؤمنين جملة مستأنفة وهو خلاف الظاهر المؤيد بالخبر وإن لم يكن فيه محذور من حيث المعنى الله الذي يرسل الرياح إستئناف مسوق لبيان ما أجمل فيما سبق من أحوال الرياح فتثير سحابا تحركه وتنشره فيبسطه بسطا تاما متصلا تارة في السماء في سمتها لا في نفس السماء بالمعنى المتبادر كيف يشاء سائرا وواقفا مطبقا وغير مطبق من جانب دون جانب إلى غير فالجملة الإنشائية حال بالتأويل ويجعله كسفا أي قطعا تارة أخرى
وقرأ إبن عامر بسكون السين على أنه مخفف من المفتوح أو جمع كسفة أي قطعة أو مصدر كعلم وصف به مبالغة أو بتأويله بالمفعول أو بتقدير ذا كشف فترى يامن يصح منه الرؤية الودق أي المطر