كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)
تقدير كون الأرض كرية كما ذهب إليه الغزالي وكذا ذهب إلى كرية السماء وجاء في رواية عن إبن عباس ما يقتضيه وإليه ذهب أكثر الفلاسفة مستدلين عليه بما في التذكرة وشروحها وغير ذلك وهو الذي يشهد له الحس والحدس وعلى تقدير كونها غير كروية كما ذهب إليه من ذهب وأختلفوا في شكلها عليه وتفصيل ذلك يطلب من محله ولا دلالة في الآية على إنحصار حكمة إلقاء الرواسي فيها بسلامتها عن الميد فإن لذلك حكما لا تحصي
وكذا لا دلالة فيها على عدم حركتها على الإستعارة دائما كما ذهب إليه أصحاب فيثاغورس ووراءه مذاهب أظهر بطلانا منه نعم الأدلة النقلية والعقلية على ذلك كثيرة وبث فيها أي أوجد وأظهر وأصل البث الإثارة والتفريق ومنه فكانت هباء منبثا وكالفراش المبثوث وفي تأخيره إشارة إلى توقفه على إزالة الميد من كل دابة من كل نوع من أنواعها وأنزلنا من السماء ماء هو المطر والمراد بالسماء جهة العلو وجوز تفسيرها بالمظلة وكون الإنزال منها بضرب من التأويل وترك التأويل لا ينبغي أن يعول عليه إلا ذأ وجد من الأدلة ما يضطرنا إليه لأن ذلك خلاف المشاهد فأنبتنا فيها أي بسبب ذلك الماء من كل زوج أي صنف كريم 01 أي شريف كثير المنفعة والإلتفات إلى ضمير العظمة في الفعلين لإبراز مزيد الإعتناء بهما لتكررهما مع ما فيهما من إستقامة حال الحيوان وعمارة الأرض ما لا يخفى
هذا أي ما ذكر من السموات والأرض وسائر الأمور المعدودة خلق الله أي مخلوقه فأروني أي أعلموني وأخبروني والفاء واقعة في جواب شرط مقدر أي إذا علمتم ذلك فأروني ماذا خلق الذين من دونه مما أتخذتموهم شركاء له سبحانه في العبادة حتى أستحقوا به العبودية و ماذا يجوز أن يكون أسما واحدا إستفهاميا ويكون مفعولا لخلق مقدما لصدارته وأن يكون ما وحدها أسم إستفهام مبتدأ و ذا أسم موصول خبرها وتكون الجملة معلقا عنها سادة مسد المفعول الثاني لأروني وأن يكون ماذا كله أسما موصولا فقد أستعمل كذلك على قلة على ما قال أبو حيان ويكون مفعولا ثانيا له والعائد محذوف في الوجهين وقوله تعالى : بل الظالمون في ضلال مبين 11 إضراب عن تبكيتهم بما ذكر إلى التسجيل عليهم بالضلال البين المستدعي للإعراض عن مخاطبتهم بالمقدمات المعقولة الحقة لإستحالة أن يفهموا منها شيئا فيهتدوا به إلى العلم ببطلان ما هم عليه أو يتأثروا من الإلزام والتبكيت فينزجروا عنه ووضع الظاهر موضع ضميرهم للدلالة على أنهم بإشراكهم واضعون للشيء في غير موضعه ومتعدون عن الحد وظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب الخالد
ولقد أتينا لقمان الحكمة كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان الشرك بالنقل بعد الإشارة إلى بطلانه بالعقل
ولقمان أسم أعجمي لا عربي مشتق من اللقم وهو على ما قيل : إبن باعوراء قال وهب : وكان إبن أخت أيوب عليه الصلاة و السلام وقال مقاتل : كان إبن خالته وقال عبدالرحمن السهيلي : هو إبن عنقا بن سرون وقيل : كان من أولاد آزر وعاش ألف سنة وأدرك داؤد عليه السلام وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعثه فلما بعث قطع الفتوى فقيل له فقال : ألا أكتفي إذا كفيت وقيل : كان قاضيا في بني إسرائيل ونقل ذلك عن الواقدي إلا أنه قال : وكان زمانه بين محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام وقال عكرمة والشعبي