كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 21)
فإن جميع ما في السموات والأرض من الكائنات مسخرة لله تعالى مستتعبة لمنافع الخلق وما يستعمله الإنسان حسبما يشاء وإن كان مسخرا له بسحب الظاهر فهو في الحقيقة مسخر لله عزوجل وأسبغ أي أتم وأوسع عليكم نعمه جمع نعمة وهي في الأصل الحالة المستلذة فإن بناء الفعلة كالجلسة والركبة للهيئة ثم أستعملت فيما يلائم من الأمور الموجبة لتلك الحالة إطلاقا للمسبب على السبب وفي معنى ذلك قولهم : هي ما ينتفع به ويستلذ ومنهم من زاد ويحمد عاقبته وقال بعضهم : لا حاجة إلى هذه الزيادة لأن اللذة عند المحققين أمر تحمد عاقبته وعليه لا يكون لله عزوجل على كافر نعمة ونقل الطيبي عن ألمام أنه قال : النعمة عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ومنهم من يقول : المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير قالوا : وإنما زدنا قيد الحسنة لأن النعمة يستحق بها الشكر وإذا كانت قبيحة لا يستحق بها الشكر والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظورا لأن جهة الشكر كونه إحسانا وجهة إستحقاق الذم والعقاب الحظر فأي إمتناع في إجتماعهما ألا ترى أن الفاسق يستحق الشكر لأنعامه والذم لمعصية الله تعالى فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك أما قولنا : المنفعة فلأن المضرة المحصنة لا تكون نعمة وقولنا : المفعولة على جهة الإحسان لأنه لو كان نفعا وقصد الفاعل به نفع نفسه لا نفع المفعول به لا يكون نعمة وذلك كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها ويعلم منه حكم زيادة ويحمد عاقبته ظاهرة وباطنة أي محسوسة ومعقولة معروفة لكم وغير معروفة وعن مجاهد النعمة الظاهرة ظهور الإسلام والنصرة على الأعداء والباطنة الإمداد من الملائكة عليهم السلام وعن الضحاك الظاهرة حسن الصورة وإمتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة وقيل : الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح والباطنة القلب والعقل والفهم وقيل : الظاهرة نعم الدنيا والباطنة نعم الآخرة وقيل : الظاهرة نحو إرسال الرسل وإنزال الكتب والتوفيق لقبول الإسلام والإتيان به والثبات على قدم الصدق ولزوم العبودية والباطنة ما أصاب الأرواح في عالم الذر من رشاش نور النور
وأول الغيث قطر ثم ينسكب
ونقل بعض الإمامية عن الباقر رضي الله تعالى عنه أنه قال : الظاهرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وما جاء به من معرفة الله تعالى وتوحيده والباطنة ولا يتنا أهل البيت وعقد مودتنا والتعميم الذي أشرنا إليه أولا أولى لكن أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عطاء قال : سألت إبن عباس رضي الله تعالى عنهما عن قوله تعالى : وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة قال : هذه من كنوز علمي سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال أما الظاهرة فما سوى من خلقك وأما الباطنة فما ستر من عورتك ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم
وفي رواية أخرى رواها إبن مردويه والديلمي والبيهقي وإبن النجار عن إبن عباس أنه قال : سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن قوله تعالى : وأسبغ إلخ قال : أما الظاهرة فالإسلام وما سوى من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه وأما الباطنة فما ستر من مساوي عملك فإن صح ما ذكر فلا يعدل عنه إلى التعميم إلا أن يقال : الغرض من تفسير الظاهرة والباطنة بما فسرنا به التمثيل وهو الظاهر لا التخصيص وإلا لتعارض الخبران
ثم إن ظاهر هذين الخبرين يقتضي كون الذنب وهو المعبر عنه في الأول بما ستر من العورة وفي الثاني بما ستر من مساوي العمل نعمة ولم نر في كلامهم التصريح بإطلاقها عليه ويلزمه أن من كثرت ذنوبه كثرت