كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 22)

على رأسها ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها وقال المبرد : أن تبدي من محاسنها ما يجب عليها ستره قال الليث : ويقال تبرجت المرأة إذا أبدت محاسنها من وجهها وجسدها ويرى مع ذلك من عينها حسن نظر وقال أبو عبيدة : أن تخجر من محاسنها ما تستدعي به شهوة الرجال وأصله على ما في البحر من البرج وهو سعة العين وحسنها ويقال طعنة برجاء أي واسعة وفي أسنانه برج إذا تفرق ما بينها وقيل : هو البرج بمعنى القصر ومعنى تبرجت المرأة ظهرت من برجها أي قصرها وجعل الراغب إطلاق البرج على سعة العين وحسنها للتشبيه بالبرج في الأمرين ولا يخفى أنه لو فسر التبرج هنا بالظهور من البرج تكون هذه الجملة كالتأكيد لما قبلها فالأولى أن لا يفسر به وتبرج مصدر تشبيهي مثل له صوت صوت حمار أي لا تبرجن مثل تبرج الجاهلية الأولى وقيل في الكلام إضمار مضافين أي تبرج نساء أيام الجاهية وإضافة نساء على معنى في والمراد بالجاهلية الأولى على ما أخرج إبن جرير وإبن أبي حاتم والحاكم وإبن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن إبن عباس الجاهلية ما بين نوح وإدريس عليهما السلام وكانت ألف سنة قال : وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبال وكان رجال الجبال صباحا وفي النساء دمامة وكان نساء السهل ورجاله على العكس فأتخذ أهل السهل عيدا يجتمعون إليه في السنة فتبرج النساء للرجال والرجال لهن وأن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهن فنزلوا معهن فظهرت الفاحشة فيهن وفي رواية أن المرأة إذ ذاك تجتمع بين زوج وعشيق
وأخرج إبن جرير عن الحكم بن عيينة قال : كان بين آدم ونوح عليهما السلام ثمانمائة سنة فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من النساء ورجالهم حسان وكانت المرأة تراود الرجل عن نفسه وهي الجاهلية الأولى وروى مثله عن عكرمة وقال الكلبي هي ما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام وقال مقاتل : كانت ومن نمروذ وكان فيه بغايا يلبسن أرق الدروع ويمشين في الطرق وروى عنه أيضا أن الجاهلية الأولى زمن إبراهيم عليه السلام والثانية زمن محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قبل أن يبعث وقال أبو العالية : كانت الأولى زمن داؤد وسليمان عليهما السلام وكان للمرأة قميص من الدر غير مخيط الجانبين يظهر منه الأعكان والسوأتان
وقال المبرد : كانت المرأة تجمع بين زوجها وخدنها للزوج نصفها الأسفل وللخدن نصفها الأعلى يتمتع به في التقبيل والترشف وقيل : ما بين موسى وعيسى عليهما السلام وقال الشعبي : ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام
قال الزجاج : وهو الأشبه لأنهم هم الجاهلية المعروفة كانوا يتخذون البغايا وإنما قيل الأولى لأنه ي قال لكل متقدم ومتقدمة أول وأولى وتأويله أنهم تقدموا على أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وروى عن إبن عباس ما هو نص في أن الأولى هنا مقابل الأخرى وقال الزمخشري : يجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام فكأن المعنى ولا تحدثن بالتبرج جاهلية في الإسلام تتشبهن بها بأهل جاهلية الكفر
وقال إبن عطية : الذي يظهر عندي أن الجاهلية الأولى إشارة إلى الجاهلية التي تخصهن فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفر وقلة الغيرة ونحو ذلك وفي حديث أخرجه الشيخان

الصفحة 8