كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 24)
وجوب تحقق المعنى الحقيقي في الكناية وهو كما ترى وقال غير واحد : أفعل على ما هو الشائع والأسوأ الكفر السابق على التقوى والإحسان والمراد تكفير جميع ما سلف منهم قبل الإيمان من المعاصي بطريق برهاني
وعلى هذا لا ينسى تفسير وصدق به بعلي كرم الله تعالى وجهه إذ لم يسبق له كفر أصلي ولا يكاد يعبر عن الكفر التبعي بأسوأ العمل وقيل : أفعل ليس للتفضيل أصلا فأسوأ بمعنى السيء صغيرا كان أو كبيرا كما هو وجه أيضا في الأشج أعدل بني مروان وأيد بقراءة ابن مقسم وحامد بن يحيى عن ابن كثير رواية عن البزي عنه أسواء بوزن أفعال جمع سوء وأحسن عند أكثر أهل هذه الأقوال على بابه على معنى أنه تعالى ينظر إلى أحسن طاعاتهم فيجري سبحانه الباقي في الجزاء على قياسه لطفا وكرما وزعم الطبرسي أن الأحسن الواجب والمندوب والحسن المباح والجزاء إنما هو على الأولين دون المباح وقيل : المراد يجزيهم بأحسن من عملهم وهو الجنة وفيه ما فيه والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل في صلة الموصول الثاني دون الأول للإيذان باستمرارهم على الأعمال الصالحة بخلاف السيئة
أليس الله بكاف عبده إنكار ونفي لعدم كفايته تعالى على أبلغ وجه كأن الكفاية من التحقق والظهور بحيث لا يقدر أحد على أن يتفوه بعدمها أو يتلعثم في الجواب بوجودها والمراد بعبده إما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على ما روي عن السدي وأيد بقوله تعالى : ويخوفونك بالذين من دونه أي الأوثان التي اتخذوها آلهة فإن الخطاب سواء كانت الجملة استئنافا أو حالا له صلى الله عليه و سلم : وقد روي أن قريشا قالت له عليه الصلاة و السلام : إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا وتصيبك معرتها لعيبك إياها فنزلت وفي رواية قالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منها خبل فنزلت أو الجنس المنتظم له عليه الصلاة و السلام انتضاما أوليا وأيد بقراءة أبي جعفر ومجاهد وابن وثاب وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي عباده بالجمع وفسر بالأنبياء عليهم السلام والمؤمنين وعلى الأول يراد أيضا الأتباع كما سمعت في قوله تعالى : والذي جاء بالصدق وصدق به ويخوفونك شامل لهم أيضا على ما سلف والتئام الكلام بقوله تعالى : فمن أظلم إلى هذا المقام لدلالته على أنه تعالى يكفي نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم مهم دينه ودنياه ويكفي أتباعه المؤمنين أيضا المهمين وفيه أنه سبحانه يكفيهم شر الكافرين من وجهين من طريق المقابلة ومن أنه داخل في كفاية مهمي الرسول عليه الصلاة و السلام وأتباعه وهذا ما تقتضيه البلاغة القرآنية ويلائم ما بني عليه السورة الكريمة من ذكر الفريقين وأحوالهما توكيدا لما أمر به أولا من العبادة والإخلاص وقريء بكافي عباده بالإضافة و يكافي عباده مضارع كافي ونصب عباده فاحتمل أن يكون مفاعلة من الكفاية كقولك : يجاري في يجري وهو أبلغ من كفى لبنائه على لفظ المبالغة وهو الظاهر لكثرة تردد هذا المعنى في القرآن نحو فسيكفيكهم الله ويحتمل أن يكون مهموزا من المكافأة وهي المجازاة ووجه الإرتباط أنه تعالى لما ذكر حال من كذب على الله وكذب بالصدق وجزاء وحال مقابله أعني الذي جاء بالصدق وصدق به وجزاءه وعرض بقوله سبحانه : ذلك جزاء المحسنين بأن ما سلف جزاء الكافرين المسيئين لما هو معروف من فائدة البناء على اسم الإشارة ثم عقبه تعالى بقوله عز و جل : ليكفر الخ على معنى ليكفر عنهم ويجزيهم خصهم بما خص فنبه على المقابل أيضا من ضرورة الإختصاص والتعليل وفيه أيضا ما يدل على حكم المقابل على اعتبار المتعلق غير