كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 24)
وقرا حمزة والكسائي وعيسى وطلحة والأعمش وابن وثاب قضى على البناء للمفعول ورفع الموت
ويرسل الأخرى أي الأنفس الأخرى وهي النائمة إلى أبدانها فتكون كما كانت حال اليقظة متعلقة بها تعلق التصرف ظاهرا وباطنها وعبر بالإرسال رعاية للتقابل إلى أجل مسمى هو الوقت المضروب للموت حقيقة وهو غاية لجنس الإرسال الواقع بعد الإمساك لا لفرد منه آني لا امتداد له فلا يغيا واعتبر بعضهم كون الغاية للجنس لئلا يرد لزوم أن لا يقع نوم بعد اليقظة الأولى أصلا وهو حسن وقيل : يرسل مضمن معنى الحفظ والمراد يرسل الأخرى حافظا إياها عن الموت الحقيقي إلى أجل مسمى وروي عن ابن عباس أن في ابن آدم نفسا وروحا بينهما مثل شعاع الشمس فالنفس هي التي بها العقل والتمييز والروح هي التي بها النفس والتحرك فيتوفيان عند الموت وتتوفى النفس وحدها عند النوم وهو قول بالفرق بين النفس والروح ونسبه بعضهم إلى الأكثرين ويعبر عن النفس بالنفس الناطقة وبالروح الأمرية وبالروح الإلهية وعن الروح بالروح الحيوانية وكذا بالنفس الحيوانية والثانية كالعرش للأولى قال بعض الحكماء المتألهين : إن القلب الصنوبري فيه بخار لطيف هو عرش للروح الحيوانية وحافظ لها وآلة يتوقف عليها آثارها والروح الحيوانية عرش ومرآة للروح الآلهية التي هي النفس الناطقة وواسطة بينها وبين البدن بها يصل حكم تدبير النفس إليه وإلى عدم التغاير ذهب جماعة وهو قول ابن جبير واحد قولين لابن عباس وما روي عنه أولا في الآية يوافق ما ذكرناه من حيث أن النفس عليه ليست بمعنى الجملة كما قال الزمخشري وادعى أن الصحيح ما ذكره دون هذا المروي بدليل موتها ومنامها والضمير للأنفس وما أريد منها متصف بالموت والنوم وإنما الجملة هي التي تتصف بهما
وقال في الكشف ولأن الفرق بين النفسين رأى أن يدفعه البرهان وإيقاع الإستيفاء أيضا لابد له من تأويل أيضا فلا ينبغي أن يعدل عن المشهور الملائم يعني حمل التوفي على الإماتة فإن أصله أخذ الشيء من المستوفي منه وافيا كملا وسلبه منه بالكلية ثم نقل عن ذلك إلى الإماتة لما أنه موجود فيها حتى صارت المتبادرة إلى الفهم منه وفيه دغدغة والذي يشهد له كثير من الآثار الصحيحة أن المتوفي الأنفس التي تقابل الأبدان دون الجملة
أخرج الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخله إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم ليقل اللهم باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك وأخرج أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن أبي شيبة عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لهم ليلة الوادي : إن الله تعالى قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال : كنت مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في سفر فقال : من يكلؤنا الليلة فقلت : أنا فنام ونام الناس ونمت فلم تنستيقظ إلا بحر الشمس فقال رسول الله عليه الصلاة و السلام : أيها الناس إن هذه الأرواح عارية في أجساد العباد فيقبضها الله إذا شاء ويرسلها إذا شاء
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن سليم بن عامر أن عمر بن الخطاب قال : العجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على بال فتكون رؤياه كأخذ باليد ويرى الرجل الرؤيا فلا تكون رؤياه شيئا فقال علي كرم الله تعالى وجهه : أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين يقول الله تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى فالله تعالى يتوفى الأنفس