كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 26)

وقوله تعالى : فلا ناصر لهم
13
- بيان لعدم خلاصهم بواسطة الأعوان والأنصار إثر بيان عدم خلاصهم منه بأنفسهم والفاء لترتيب ذكر ما بالغير على ذكر ما بالذات وهو حكاية حال ماضية كما في قوله تعالى : فأغشيناهم فهم لا يبصرون ولا نسلم أن اسم الفاعل يعمل حقيقة في الماضي والآية تسلية له صلى الله عليه و سلم فقد أخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال : أنت أحب بلاد الله تعالى إلى الله وأنت أحب بلاد الله تعالى إلي ولو لا أن أهلك أخرجوني منك لم أخرج منك فأعدي الأعداء من عدا على الله تعالى في حرمه أو قتل غير قاتله أو قتل بدخول أهل الجاهلية فأنزل الله سبحانه وكأين من قرية الخ وقد تقدم ما يتعلق بذلك أول السورة فتذكر
أفمن كان على بينة من ربه تقرير لتباين حال الفريقين المؤمنين والكافرين وكون الأولين في أعلى عليين والآخرين في أسفل سافلين وبيان لعلة الكل منهما من الحال والهمزة لإنكار استوائهما أو لأنكار كون الأمر ليس كما ذكر والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام وقد قؤيء بدونها و من عبارة عن المؤمنين المتمسكين بأدلة الدين كما أنها في قوله تعالى : كمن زين له سوء عمله عبارة عن أضدادهم من المشركين
وأخرج جماعة عن ابن عباس أن من كان على بينة من ربه هو رسول الله صلى الله عليه و سلم و من زين له سوء عمله هم المشركون وروي عن قتادة نحوه وإليه ذهب الزمخشري وتعقب بأن التخصيص لا يساعده النظم الكريم ولا داعي إليه وقيل : ومثله كون من الأولى عبارة عنه صلى الله تعالى عليه وسلم وعن المؤمنين والمعنى أيستوي الفريقان أو أليس الأمر كما ذكر فمن كان ثابتا على حجة ظاهرة وبرهان نير من مالك أمره ومربيه وهو القرآن العظيم وسائر المعجزات والحجج العقلية كمن زين له الشيطان عمله الشيء من الشرك وسائر المعاصي كإخراجك من قريتك مع كون ذلك في نفسه أقبح القبائح واتبعوا في ذلك العمل السيء وقيل : بسبب ذلك التزيين أهواءهم
14
- الزائغة من غير أن يكون لهم شبهة توهم صحة ما هم عليه فضلا عن حجة تدل عليها وجمع الضميرين الأخيرين باعتبار معنى من كما أن إفراد الأولين باعتبار لفظها مثل الجنة التي وعد المتقون إلى آخره استئناف مسوق لشرح محاسن الجنة الموعودة آنفا للمومنين وبيان كيفية أنهارها التي أشير إلى جريانها من تحتها وعبر عنهم بالمتقين إيذانا بأن الإيمان والعمل الصالح من باب التقوى الذي هو عبارة عن فعل الواجبات وترك السيآت والمثل الوصف العجيب الشأن وهو مبتدأ باتفاق المعربين واختلف في خبره فقيل محذوف فقال النضر بن شميل : تقديره ما تسمعون وقوله عز و جل : فيها أنهار إلى آخره مفسر له وقال سيبويه : تقديره فيما يتلى عليهم أو فيما قصصنا عليك ويقدر مقدما وفيها أنهار الخ لذلك بيان المثل وقدره ابن عطية ظاهر في نفس من وعي هذه الأوصاف وليس بذاك ولعل الأنسب بصدر النظم الكريم تقدير النضر وقيل : هو مذكور فقيل هو قوله تعالى : فيها أنهار الخ على معنى مثل الجنة وصفتها مضمون هذا الكلام ولا يحتاج مثل هذا الخبر إلى رابط
وقيل هذه الجملة هي الخبر إلا أن لفظ مثل زائد زيادة اسم في قول من قال :
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
فالمبتدأ في الحقيقة هو المضاف إليه فكأنه قيل : الجنة فيها أنهار الخ وليس بشيء : وقيل الخبر قوله تعالى الآتي :

الصفحة 47