كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 26)

اتصافه بالفعل بالضرورة فإذا استفيد من الكلمة الطيبة إمكانه يستفاد وجوده أيضا إذ كل ما لم يوجد يستحيل أن يكون واجب الوجود ويعلم ما فيه مما مر فلا تغفل وقال بعضهم الخبر المقدر مستحق للعبادة فالمعنى لا إله مستحق للعبادة إلا الله ولامحذور فيه واعترض بأن هذا كون خاص ولا بد من خذفه من قرينة ولا قرينة فلا يصح الحذف وأجيب بأنها كنار على علم لأن الإله بمعنى المعبود واستحقاقها ويؤيد ملاحظة المقام واعتبار حال المخاطبين لأن هذه الكلمة الطيبة واردة لرد اعتقاد المشركين الزاعمين أن الأصنام تستحق العبادة
واعترض أيضا بأنه لا يدل على نفي التعدد مطلقا أي لا بالأمكان ولا بالفعل لجواز وجود إله غيره سبحانه لا يستحق العبادة وأيضا يمكن أن يقال : المراد إما نفي إله مستحق للعبادة غيره تعالى بالفعل أو بالإمكان فعلى الأول لا ينفى إمكان إله مستحق للعبادة أيضا غيره عز و جل وعلى الثاني لا يدل على استحقاقه تعالى بالفعل ورد بأن وجوب الوجود مبدأ جميع الكمالات ولذا فرعوا عليه كثيرا منها فلا ريب أنه يوجب استحقاق التعظيم والتبجيل ولا معنى لاستحقاق العبادة إلا ذلك فإذا لم يستحق غيره تعالى العبادة لم يوجد واجب وجود غيره سبحانه وإلا لاستحق العبادة قطعا وإذا لم يوجد لم يكن ممكنا أيضا فثبت أن نفي استحقاق العبادة يستلزم نفي التعدد جزما
وتعقب بأن فيه على أن الإله لا يكون إلا واجب الوجود وقد سمعت أنها وإن كانت قطعية الصدق في نفس الأمر إلا أنها غير مسلمة عند المشركين ومن المحققين من قال : إنه لا يلتفت إلى عدم تسليمهم لمكابرتهم ما عسى أن يكون بديهيا نعم ربما يقال : إن الكلمة الطيبة على ذلك التقدير إنما تدل على نفي المعبود بالفعل بناء على ما قرر في المنطق أن ذات الموضوع يجب اتصافه بالعنوان بالفعل ويجاب بمنع وجوب ذلك بل يكفي الأتصاف بالإمكان كما صرح به الفارابي وأما ما نقل عن الشيخ فمعناه كونه بحسب الفرض العقلي لا بحسب نفس الأمر كما تدل عليه عبارته في الشفاء والإشارات فيرجع إلى معنى الإمكان
والفرق بين المذهبين أن في مذهب الشيخ زيادة اعتبار ليست في مذهب الفارابي وهي أن الشيخ اعتبر مع الإمكان بحسب نفس الأمر فرض الأتصاف بالفعل ولم يعتبره الفارابي وبالجملة إن الأتصاف بالفعل غير لازم فكل ما يمكن اتصافه بالمعبودية داخل في الحكم بأنه لا يستحق العبادة ولما كانت القضية سالبة صدقت وإن لم يوجد الموضوع ولعل التحقيق في هذا المقام أن الكلمة الطيبة جارية بين الناس على متفاهم اللغة والعرف لا على الأصطلاحات المنطقية والتدقيقات الفلسفية وهي كلام ورد في رد اعتقاد المشرك الذي اعتقد أن آلهة غير الله سبحانه تستحق العبادة فإذا اعترف المشرك بمضمونه من أنه لا معبود مستحق للعبادة إلا الله تعالى علم من ظاهر الإيمان حاله الإيمان ولهذا اكتفى به الشارع عليه الصلاة و السلام وأما الكافر الذي يعتقد إمكان وجود ذات تستحق العبادة بعد فلا تكفي هذه الكلمة الطيبة في إيمانه كما لا تكفي في إيمان من أنكر النبوة أو المعاد أو نحو ذلك مما يجب الإيمان به بل لا بد من الأعتراف بالحكم الذي أنكره ولا محذور في ذلك ولما كان الكفرة الذين يعتقدون أن آلهة غير الله تعالى تستحق العبادة هم المشهورون دون من يعتقد إمكان وجودها بعد اعتبرت الكلمة علما للتوحيد بالنسبة إليهم
ويعلم من هذا أنه لو قدر الخبر المحذوف من أول الأمر موجود أمكن دفع الأشكال بهذا الطريق أعني متفاهم اللغة وعرف الناس من الأوساط وأما أن نفي الوجود لا يستلزم نفي الإمكان فلا يلزم من الكلمة الطيبة حينئذ نفي إمكان آلهة غير الله تعالى فمما لا يسبق الأفهام ولا يكاد يوجد كافر يعتقد نفي وجود إله

الصفحة 58