كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 26)

موقوف على العلم بأن الله تعالى قد أظهر المعجزات على يده تصديقا له في دعواه وعلمه بذلك موقوف على العلم بأن ثمت إلها على صفة يمكن بها أن يبعث رسولا ككونه حيا عالما مريدا قادرا وهو من معرفة الإله سبحانه فلو استفدنا العلم بوجود الله تعالى وبتلك الصفات من الدلائل السمعية الموقوفة على صدق الرسول عليه الصلاة و السلام لزم الدور كما ترى نعم إذا قيل : إن المكلف بعد ما آمن بالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم واعتقد اعتقادا جازما بصدقه في جميع ما جاء به من عند الله تعالى بأي وجه كان ذلك الجزم بالضرورة أو بالنظر أو بالتقليد فله أن يأخذ عقيدته من القرآن من غير تأويل ولا ميل من غير أن ينظر في دليل عقلي كان ذلك كلاما صحيحا لا غبار عليه ولا يلزم منه تحصيل للحاصل بالنسبة إلى ما حصله أولا من المسائل التي يتوقف عليها صدق الرسول عليه الصلاة و السلام لأن التحصيل من حيث أن الجائي بدلائلها صادق فيها والتحصيل الأول كان بالنظر العقلي من غير اعتبار صدق الرسول عليه الصلاة و السلام فاختلفت الحيثية فليفهم والله تعالى أعلم
والله يعلم متقلبكم في الدنيا ومثواكم
19
- في الآخرة وخص المتقلب بالدنيا والمثوى بالآخرة لأن كل أحد متحرك في الدنيا دائما نحو معاده غير قار وفي الآخرة مقيم لا حركة له نحو دار وراءها والمراد من علمه تعالى بذلك تحذيرهم من جزائه وعقابه سبحانه أو الترغيب في امتثال ما يأمرهم جل شأنه به والترهيب عما ينهاهم عز و جل عنه على طريق الكناية وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : متقلبكم تصرفكم في حياتكم الدنيا ومثواكم في قبوركم وآخرتكم وقال عكرمة : متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ومثواكم إقامتكم في الأرض وقال الطبري : وغيره : متقلبكم تصرفكم في يقظتكم ومثواكم منامكم وقيل : متقلبكم في معايشكم ومتاجركم ومثواكم حيث تستقرون من منازلكم وقيل : تقلبكم في أعمالكم ومثواكم من الجنة والنار
واختار أبو حيان عمومهما في كل متقلب وفي كل إقامة ونحوه ما قيل : المراد يعلم جميع أحوالكم فلا يخفى عليه سبحانه شيء منها
وقرأ ابن عباس متقلبكم بالنون ويقول الذين آمنوا حرصا على الجهاد لما فيه من الثواب الجزيل فالمراد بهم المؤمنون الصادقون لو لا نزلت سورة أي هلا أنزلت سورة يؤمر فيها بالجهاد فلو لا تحضيضية وعن ابن مالك أن لا زائدة والتقدير لو أنزلت سورة وليس بشيء
فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال أي بطريق الأمر به والمراد بمحكمة مبينة لا تشابه ولا احتمال فيها لوجه آخر سوى وجوب القتال وفسرها الزمخشري بغير منسوخة الأحكام وعن قتادة كل سورة فيها القتال فهي محكمة وهو أشد القرآن على المنافقين وهذا أمر استقرأه قتادة من القرآن لا بخصوصية هذه الآية والمتحقق أن آيات القتال غير منسوخة وحكمها باق إلى يوم القيامة وقيل : محكمة بالحلال والحرام
وقريء نزلت سورة بالبناء للفاعل من نزل الثلاثي المجرد ورفع سورة على الفاعل
وقرأ زيد بن علي نزلت كذلك إلا أنه نصب سورة محكمة وخرج ذلك على كون الفاعل ضمير السورة و سورة محكمة نصب على الحال وقرأ هو وابن عمير وذكر مبنيا للفاعل وهو ضميره تعالى

الصفحة 66