كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 26)
هذا مع القول بأن الأزلي مدلول عسير جدا وكذا القول بأن المتصف بالمضي وغيره إنما هو اللفظ الحادث دون المعنى القديم وأجاب بعضهم بأن العسر لو كان دلالة اللفظي عليه دلالة الموضوع على الموضوع له وليس كذلك عندهم بل هي دلالة الأثر على المؤثر ولا يلزم من اعتبار شيء في الأثر اعتباره في المؤثر ولا يخفى أن كون الدلالة دلالة الأثر على المؤثر خلاف الظاهر وقال ابن الصدر في ذلك : إن اشتمال الكلام اللفظي على المضي والحضور والأستقبال إنما هو بالنظر إلى زمان المخاطب لا إلى زمان المتكلم كما إذا أرسلت زيدا إلى عمرو تكتب في مكتوبك إليه إني أرسلت إليك زيدا مع أنه حين ما تكتبه لم يتحقق الإرسال فتلاحظ حال المخاطب وكما تقدر في نفسك مخاطبا وتقول : لم تفعل الآن كذا وكان قبل ذلك كذا ولا شك أن هذا المضي والحضور والأستقبال بالنسبة إلى زمان الوجود المقدر لهذا المخاطب لا بالنسبة إلى زمان المتكلم بالكلام النفسي لكونه متوجها لمخاطب مقدر لا يلاحظ فيه إلا أزمنة المخاطبين المقدرين وما اعتبره أئمة العربية من حكاية الحال الماضية واعتبار المضي والحضور والأستقبال في الجملة الحالية بالقياس إلى زمان الفعل لا زمان التكلم قريب منه جدا انتهى وللمحقق ميرزاجان كلام في هذا المفام يطلب من حواشيه على الشرح العضدي
وقيل : المراد بالفتح فتح الروم على إضافة المصدر إلى الفاعل فإنهم غلبوا على الفرس في النزول وكونه فتحا له عليه الصلاة و السلام لأنه أخبر عن الغيب فتحقق ما أخبر به في ذلك العام ولأنه تفاءل به لغلبة أهل الكتاب المؤمنين وفي ذلك من ظهور أمره صلى الله تعالى عليه وسلم ما هو بمنزلة الفتح قيل : ففي الفتح استعارة لتشبيه ظهوره صلى الله تعالى عليه وسلم بالفتح وقيل : لا تجوز فيه وإنما التجوز في تعلقه به عليه الصلاة و السلام وقيل : لا تجوز أصلا والمعنى فتحنا على الروم لأجلك وأنت تعلم أن حمل الفتح على ما ذكره في نفسه بعيدا جدا
وأورد عليه أن فتح الروم لم يكن مسببا على الجهاد ونحوه فلا يصح ما ذكروه في توجيه التعليل الآتي وعن قتادة أن فتحنا من الفتاحة بالضم وهي الحكومة أي إنا قضينا لك على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل لتطوفوا بالبيت وهو بعيد أيضا وقيل : المراد به فتح الله تعالى له صلى الله تعالى عليه وسلم بالأسلام والنبوة والدعوة والحجة والسيف وقريب منه ما نقله الراغب من أنه فتحه عز و جل له عليه الصلاة و السلام بالعلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى ثواب والمقامات المحمودة وأمره في البعد كما سبق وأيا ما كان فحذف المفعول للقصد إلى نفس الفعل والإيذان بأن مناط التبشير نفس الفتح الصادر عنه سبحانه لا خصوصية المفتوح وتقديم لك على المفعول المطلق أعني قوله تعالى : فتحا مبينا
1
- مع أن الأصل تقديمه على سائر المفاعيل كما صرح به العلامة التفتازاني للأهتمام بكون ذلك لنفعه عليه الصلاة و السلام وقيل : لأنه مدار الفائدة و مبين من أبان بمعنى بأن اللازم أي فتحا بينا ظاهر الأمر مكشوف الحال أو فارقا بين الحق والباطل
ليغفر لك الله مذهب الأشاعرة القائلين بأن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض أن مثل هذه اللام للعاقبة أو لتشبيه مدخولها بالعلة الغائية في ترتبه على متعلقها وترتب المغفرة على الفتح من حيث أن فيه سعيا منه صلى الله عليه و سلم في إعلاء كلمة الله تعالى بمكابدة مشاق الحروب واقتحام موارد الخطوب والسلف كما قال ابن القيم وغيره يقولون بتعليل أفعاله عز و جل وفي شرح المقاصد للعلامة التفتازاني أن من بعض أدلتهم أي الأشاعرة ومن وافقهم على هذا المطلب يفهم أنهم أرادوا عموم السلب ومن بعضها أنهم أرادوا سلب العموم ثم قال : الحق أن بعض