كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 28)

قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري : ولعل هذا المذهب أرجح المذاهب من حيث الدليل وأنا أقول أرجحها مذهب الإمام أبي حنيفة وقد رجحه المزني وهو من كبار الآخذين عن الشافعي وهو اختيار السيوطي ووجه اختياره مع ذكر أدلة أكثر الأقوال بما لها وعليها مذكور في رسالة له سماها ضوء الشمعة في عدد الجمعة ولو لا مزيد التطويل لذكرنا خلاصتها ومن أراد ذلك فليرجع إليها ليظهر له بنورها حقيقة الحال
وقرأ أكثر من الصحابة والتابعين فامضوا وحملت على التفسير بناءا على أنه يراد بالسعي الإسراع في المشي ولم تجعل قرآنا لمخالفتها سواد المصحف المجمع عليه وذروا البيع أي واتركوا المعاملة على أن البيع مجاز عن ذلك فيعم البيع والشراء والإجارة وغيرها من المعاملات أو هو دال على ما عداه بدلالة النص ولعله الأولى والأمر للوجوب فيحرم كل ذلك بل روي عن عطاء حرمة اللهو المباح وأن يأتي الرجل أهله وأن يكتب كتابا أيضا
وعبر بعضهم بالكراهة وحملت على كراهة التحريم وقول الأكمل في شرح المنار : إن الكراهة تنزيهية مردود وكأنه مأخوذ من زعم القاضي الأسبيجاني أن الأمر في الآية للندب وهو زعم باطل عند أكثر الأئمة وعامة العلماء على صحة البيع وإن حرم نظير ما قالوا في الصلاة بالثوب المغضوب أو في الأرض المغضوبة
وقال ابن العربي : هو فاسد وعبرمجاهد بقوله : مردود ويستمر زمن الحرمة إلى فراغ الإمام من الصلاة وأوله إما وقت أذان الخطبة وروي عن الزهري وقال به جمع وإما أول وقت الزوال وروي ذلك عن عطاء والضحاك والحسن والظاهر أن المأمورين برك البيع هم المأمورون بالسعي إلى الصلاة
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن القاسم دخل على أهله يوم الجمعة وعندهم عطار يبايعونه فاشتروا منه وخرج القاسم إلى الجمعة فوجد الإمام قد خرج فلما رجع أمرهم أن يناقضوه البيع وظاهره حرمة البيع إذا نودي للصلاة على غير من تجب عليه أيضا والظاهر حرمة البيع والشراء حالة السعي
وصرح في السراج الوهاج بعدمها إذا لم يشغله ذلك ذلكم أي المذكور من السعي إلى ذكر الله تعالى وترك البيع خير لكم أنفع من مباشرة البيع فإن نفع الآخرة أجل وأبقى وقيل : أنفع من ذلك ومنترك السعي وثبوت أصل النفع للمفضل عليه باعتبار أنه نفع دنيوي لا يدل على كون الأمر للندب والأستحباب دون الختم والإيجاب كما لا يخفى إن كنتم تعلمون الخير والشر الحقيقيين أو إن كنتم من أهل العلم علىتنزيل الفعل منزلة اللازم فإذا قضيت الصلاة أي أديت وفرغ منها فانتشروا في الأرض لأقامة مصالحكم وابتغوا من فضل الله أي الربح على ما قيل وقال مكحول والحسن وابن المسيب : المأمور بابتغائه هو العلم
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال : لم يؤمروابشيء من طلب الدنيا إنماهو عيادة مريض وحضورة جنازة وزيادة أخ في الله تعالى وأخرج نحوه ابن جرير عن أنس مرفوعا والأمر للأباحة علىالأصح فيباح بعد قضاء الصلاة الجلوس في المسجد ولا يجب الخروج وروي ذلك عن الضحاك ومجاهد
وحكى الكرماني في شرح البخاري الأتفاق على ذلك وفيه نظر فقد حكى السرخسي القول بأنه للوجوب

الصفحة 103