كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 28)
وأيضا لا أدعي الجزم بعدم دليل في نفس الأمر وفوق كل ذي علم عليم ولعل أول من أرشد إليهما من السادة وجد فيهما ما يعول عليه أو يقال : يكفي للعمل بمثل ذلك نحو ما تمسك به بعض أجلة متأخرينوإن كان للبحث فيه مجال ولأرباب القال في أمره مقال وفي قوله تعالى : وآخرين الخ بناءا على عطفه على الضمير المنصوب قيل : إشارة إلى عدمانقطاع فيضه صلى الله تعالى عليه وسلم عن أمته إلى يوم القيامة وقد قالوا بعدمانقطاع فيض الولي أيضا بعد انتقاله من دار الكثافة والفناء إلى دار التجرد والبقاء : وفي قوله تعالى : مثل الذين حملوا التوراة الخ إشارة إلى سوء حال المنكرين مع علمهم وفي قوله تتعالى : قليا أيها الذينهادوا الآية إشارة إلى جواز امتحان مدعى الولاية ليظهر حاله بالأمتحال فعند ذلك يكرم أويهان وفي عتاب الله تعالى المنفضين إشارة إلى نوع من كيفيات تربية المريد إذاصدر منه نوع خلاف ليسلك الصراط السوي ولا يرتكب الأعتساف وفي الآيات بعد إشارات يضيق عنها نطاق العبارات ومن عمل بما علم أورثه الله عز و جل علم ما لم يعلم
سورة المنافقين
مدنية وعدد آياتها إحدى عشرة آية بلا خلاف ووجه اتصالها أن سورة الجمعة ذكر فيها المؤمنون وهذه ذكر فيها أضدادهم وهم المنافقون ولهذا أخرج سعيد بن منصور والطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة فيحرض بها المؤمنين وفي الثانية بسورة المنافقين فيقرع بها المنافقين وقال أبو حيان في ذلك : إنه لما كان سبب الأنفضاض عن سماع الخطبة ربما كان حاصلا عن المنافقين واتبعهم ناس كثير من المؤمنين في ذلك لسرورهم بالعير التي قدمت بالميرة إذ كان الوقت وقت مجاعة جاء ذكر المنافقين وما هم عليه من كراهة أهل الإيمان وأتبع بقبائح أفعالهم وأقوالهم والأول أولى
بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاءك المنافقون أي حضروا مجلسك والمراد بهم عبد الله بن أبيوأصحابه قالوا نشهد إنك لرسولالله التأكيد بأن واللام للازم فائدة الخبر وهو علمهم بهذا الخبر المشهود به فيفيد تأكيد الشهادة ويدل على ادعائهم فيها المواطأة وإن كانت في نفسها تقع على الحق والزوروالتأكيد في قوله تعالى : والله يعلم إنك لرسوله لمزيد الأعتناء حقيقة بشأن الخبر أو ليس إلا ليوافقصنيعهم وجيء بالجملة اعتراضا لا ماطة ما عسى أن يتوهم من قوله عز و جل : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون
1
- من رجوع التكذيب إلى نفس الخبر المشهود من أول الأمر وذكر الطيبي أن هذا نوع من التتميم لطيف المسلك ونظيره قول أبي الطيب : وتحتقر الدنيا احتقار مجرب ترى كل ما فيها وحاشاك فانيا فالتكذيب راجع إلى نشهد باعتبار الخبر الضمني الذي دل عليه التأكيد وهو دعوى المواطأة في الشهادة أي والله يشهد إنهم لكاذبون فيما ضمنوه قولهم : نشهد من دعوى المواطأة وتوافق اللسان والقلب في هذه