كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 28)
الشهادة وقد يقال : الشهادة خبر خاص وهو ما وافق فيه اللسان القلب وأما شهادة الزور فتجوز كإطلاق البيع على غير الصحيح فهم كاذبون في قولهم : نشهد المتفرع على تسمية قولهم ذلك شهادة وهو مراد من قال : أي لكاذبون في تسميتهم ذلك شهادة فلا تغفل
وعلى هذا لا يحتاج في تحقق كذبهمإلى ادعائهم المواطأة ضمنا لأن اللفظ مرضوع للمواطيء وجوز أنيكون التكذيب راجعا إلى قولهم : إنك لرسول الله باعتبار لازم فائدة الخبر وهو بمعنى رجوعه إلى الخبر الضمني وأن يكون راجعا إليه باعتبار ما عندهم أي لكاذبون في قولهم : إنك لريول الله عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أنه كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه قيل : وعلى هذا الكذب هو الشرعي اللاحق به الذم ألا ترى أن المجتهدين لا ينسبون إلى الكذب وإن نسبوا إلى الخطأ
وجوز العلامة الثاني أن يكون التكذيب راجعا إلى حلف المنافقين وزعموا أنهم لم يقولوا لا تنفقوا علي من عند رسول حتى ينفضوا من حوله ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل لما ذكر في صحيح البخري عن زيد بن أرقم أنه قال : كنت في غزاة مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فسمعت عبد الله ابن أبي بن سلول يقول : لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ولو رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت ذلك لعمي فذكره لنبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدعاني فحدثته فأرسل رسول الله عليه الصلاة و السلامإلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا أنهم ما قالوا : فكذبني رسول الله صلى الله عليه و سلم وصدقه فأصابني هم لم يصبني مثله قط فجلست في البيت فقال لي عمي : ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومقتك فأنزل الله إذا جاء المنافقون فبعث إلي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقرأ فقال : إن الله صدقك يا زيد
وجوزبعض الأفاضل أن يكون المعنى إن المنافقين شأنهم الكذب وإن صدقوا في هذا الخبر وأيا ما كانفلا يتم للنظام الأستدلال بالآية على أن صدق مطابقته لاعتقاد المخبر ولو كان ذلك الأعتقاد خطأ وكذبه عدمها وإظهار المنافقين في موقع الإضمار لذمهم والإشعار بعلة الحكم والكلام في إذا على نحو ما مر آنفا
اتخذوا أيمانهم أي الكاذبة على ما يشير إليه الإضافة جنة أي وقاية عما يتوجه إليهم من المؤاخذة بالقتل أو السبي أو غير ذلك قال قتادة : كلما ظهر علي شيء منهم يوجب مؤاخذتهم حلفوا كاذبين عصمة لأموالهم ودمائهم وهذا كلام مستقل تعدادا لقبائحهم وأنهم من عادتهم الأستجنان بالأيمان الكاذبة كما استجنوا بالشهادة الكاذبة ويجوز أن يراد بإيمانهم شهادتهم السابقة والشهادة وأفعال العلم واليقين أجرتها العربمجرى القسم وتلقتها بما يتلقى القسم ويؤكد بها الكلام كما يؤكد به فلهذا يطلق عليها اليمين وبهذااستشهذ أبو حنيفة على أن أشهد يمين واعترضه ابن المنير بأن غاية ما في الآية أنه سمي يمينا والكلام فيوجوب الكفار بذلك لا في إطلاق الأسم وليس كل ما يسمى يمينا تجب فيه الكفارة فلو قال : أحلفعلى كذا لا تجب عليه الكفارة وإن كان حلفا والجمع باعتبار تعدد القائلين والكلام على هذا استئناف يدل على فائدة قولهم ذلك عندهم مع الذم البالغ بما عقبه وقيل : إن اتخذوا جواب إذا وجملة قالوا السابقة في موضع الحال بتقدير قد أو بدونه خلاف الظاهر وأبعد منه جعل الجملة حالا وقدير جواب لا ذا وقال الضحاك : أي اتخذوا حلفهم بالله إنهم لمنكم جنة عن القتل أو السبي أو نحوهما مما يعامل به