كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 28)

الكفار ومن هنا أخذ الشاعر قوله : وما انتسبوا إلى الإسلام إلا لصون دمائهم أن لا تسالا وعن السدي أنهم اتخذوا ذلك جنة من ترك الصلاة عليهم إذا ماتوا وهو كما ترى وكذا ما قبله
فصدوا عن سبيل الله أي من أراد الدخول في دين الإسلام أو من أراد فعل طاعة مطلقا على أن الفعل متعد والمفعول محذوف أو أعرضوا عن الإسلام حقيقة على أن الفعل لازم وأيا ما كان فالمراد على ما قيل : اسمرارهم على ذلك وحمل بعض الأجلة الأيمان على ما يعم ما حكى عنهم من الشهادة ثم قال : واتخاذها جنة عبارة عن إعدادهم وتهيئتهم لها إلى وقت الحاجة ليحلفوا بها ويتخلصوا عن المؤاخذة لا عن استعمالها بالفعل فإن ذلك متأخر عن المؤاخذة المسبوقة بوقوع الجناية واتخاذ الجنة لا بد أن يكون قبل المؤاخذة وعن سببها أيضا كما يفصح عنه الفاء في فصدوا أي من أراد الإسلام أو الإنفاق كما سيحكي عنهم ولا ريب في أن هذا الصد مقدم على حلفهم وقريء أي قرأ الحسن إيمانهم بكسر الهمزة أي الذي أظهروه على ألسنتهم فاتخاذه جنة عبارة عن استعماله بالفعل فإنه وقاية دون دمائهم وأموالهم فمعنى قوله تعالى : فصدوا فاستمروا على ما كانوا عليه من الصدود والإعراض عن سبيله تعالى انتهى وفيه ما يعرف بالتأملفتأمل إنهم ساء ما كانوا يعملون
2
- من النفاق ومايتبعه وقد مر الكلام في ساء غير مرة ذلك إشارة إلى ما تقدم من القول الناعي عليهم أنهم أسوأ الناس أعمالا أو إلى ما ذكر من حالهم في النفاقوالكذب والأستجنان بالأيمان الفاجرة أو الإيمان الصوري وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشارإليه لما مر مرارا من الأشعار في مثل هذا المقام ببعد منزلته في الشر وجوز ابن عطية كونه إشارة إلى سوء ما عملوا فالمعنى ساء عملهم بأنهم أي بسبب أنهم آمنوا أي نطقوابكلمة الشهادة كسائر من يدخل في الإسلام ثم كفروا ظهر كفرهم وتبين بما أطلع عليه من قولهم : إن كان ما يقوله محمد حقا فنحن حمير وقولهم في غزوة تبوك : أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات وغير ذلك و ثم على ظاهرها أو لا ستبعاد ما بين الحالين أو ثم أسروا الكفر فثم للأستبعاد لا غير أو نطقوا بالإيمانعند المؤمنين ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاءا بالإسلام وقيل : الآيةفي أهل الردة منهم
فطبع على قلوبهم حتى يموتوا على الكفر فهم لا يفقهون
4
- حقيقة الإيمان أصلا
وقرأ زيد بن علي فطبع بالبناء للفاعل وهو ضميره تعالى وجوز أن يكون ضميرا يعود على المصدر المفهوم مما قبل أي فطبعهو أي تلعابهم بالدين وفي رواية أنه قرأ فطبع الله مصرحا بالأسم الجليل وكذا قرأ الأعمش وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم لصباحتها وتناسب أعضائها وإن يقولوا تسع لقولهم لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم وحلاوة كلامهم وكان ابن أبي جسيما فصيحا يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم في نفر من أمثاله كالجد بن قيس ومعتب بن قشير فكان عليه الصلاة و السلام ومن معه يعجبون من هياكلهم ويسمعون لكلامهم والخطاب قيل : لكل من يصلح له وأيد بقراءة عكرمة وعطية العوفي يسمع بالياء

الصفحة 110