كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 28)

فاعل له والكلام على ما في البحر من باب الأعمال لأن رسول الله يطلبه عاملان : يستغفر و تعالوا فأعمل الثاني على المختار عند أهل البصرة ولو أعمل الأول لكان التركيب تعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله وجملة يصدون في موضع الحال وأتت بالمضارع ليدل على الأستمرار التجددي ومثلها في الحالية جملة هم مستكبرون وقرأ مجاهد ونافع وأهل المدينة وأبو حيوة وابن أبي عبلة والمفضل وأبان عنعاصم والحسن ويعقوب بخلاف عنهما لووا بتخفيف الواو والتشديد في قراءة باقي السبعةللتكثير ولما نعى سبحانه عليهم إباءهم عن الإتيان ليستغفر لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإعراضهمواستكبارهم أشار عز و جل إلى عدم فائدة الأستغفار لهم لما علم سبحانه من سواء استعدادهم واختيارهم بقوله تعالى : سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم فهو للتسوية بين الأمرين الأستغفار لهموعدمه والمراد الإخبار بعدم الفائدة كما يفصح عنه قوله جلشأنه : لن يغفر الله لهم وتعليله بقوله تعالى : إن الله لا يهدي القوم الفاسقين
6
- أي الكاملين في الفسق الخارجين عن دائرة الأستصلاح المنهمكين لسوء استعدادهم بأنواع القبائح فإن المغفرة فرع الهداية والمراد بهؤلاء القوم إما المحدث عنهمبأعيانهم والإظهار في مقام الإضمار لبيان غلوهم في الفسق والإشارة إلى علة الحكم أو الجنس وهم داخلون دخولا أوليا والآية في ابن أبي كسوابقها كما سمعت ولو أحقها كما صح وستسمعه قريبا إن شاء الله تعالى والأستغفار لهم قيل : على تقدير مجيئهم تائبين معتذرين جناياتهم وكان ذلك قد اعتبر في جانبالأمر الذي جزم في جوابه الفعل وإلا فمجرد الأتيان لا يظهر كونه سببا للأستغفار ويوميء إليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في خبر ابن جبير لابن أبي : تب وترك الأستغفار على طريق الإصرار على القبائح والأستكبار وترك الأعتذار وحيث لم يكن منهم توبة لم يكن منه عليه الصلاة و السلام استغفار لهم
وحكىمكي أنه صلى الله عليه و سلم استغفر لهم لأنهم أظهروا له الإسلام أي بعد ما صدر منهم ما صدر بالتوبة وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما نزلت آية براءة استغفر لهم أو لا تستغفر الخ قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : أسمع ربي قد رخص لي فيهم فو الله لأستغفرن لهم أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم فنزلت هذه الآية سواء عليهم استغفرت لهم الخ
وأخرج أيضا عن ابن عروة نحوه وإذا صح هذا لم يتأت القول بأن براءة بأسرها آخر ما نزل ولا ضرورةتدعو لا لتزامه إلا إن صح نقل غير قابل للتأويل ولعل هذه الآية إشارة منه تعالى لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أن المراد بالعدد هناك التكثير دون التحديد ليكون حكم الزائد مخالفا لحكم المذكور فيكون المراد بالآيتين عند الله تعالى واحدا وهو عدم المغفرة لهم مطلقا والآية الأولى فيما اختار نزلت في اللامزين كما سمعت هناك عن ابن عباس وهو الأوفق بالسباق وهذه نزلت في ابن أبي وأصحابه كما نطقت به الأخبار الصحيحةويجمع الطائفتين النفاق ولذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم ما قال مع اختلاف أعيان الذين نزلتا فيهم ثم إني لم أقف في شيء مما أعول عليه على أن ابن أبي كان مريضا إذ ذاك ورأيت في خبر أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين ما يشعر بأنه بعد قوله : والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل بأيام قلائل اشتكى واشتد وجعه وفيه أنه قال للنبي صلى الله تعالى

الصفحة 113