كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 28)
إذا جاءك المنافقون قالوا : نشهد إنك لرسول الله حتى بلغ ليخرجن الأعز منها الأذل وقد تقدم عن البخاري ما يدل على أنه قائل ذلك أيضا
وأخرج الإمام أحمد ومسلم والسائي نحو ذلك والأخبار فيه أكثر من أن تحصى وتلك الغواة التي أشار إليها زيد قال سفيان : يرون أنها غزاة بني المصطلق وفي الكشاف خبر طويل في القصة يفهم منه أنهم عنوا بمن عند رسول الله فقراء المهاجرين والظاهر أن التعبير برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أي بهذا اللفظ وقع منهم ولا يأباه كفرهم لأنهم منافقون مقربون برسالته عليه الصلاة و السلام ظاهرا
وجوز أن يكونوا قالوه تهكما أو لغلبته عليه صلى الله تعالى عليه وسلم حتى صار كالعلم لم يقصد منه إلا الذات ويحتمل أنهم عبروا بغير هذه العبارة فغيرها الله عز و جل إجلالا لنبيه عليه الصلاة و السلام وإكراما والإنفضاض التفرق و حتى للتعليل أي لا تنفقوا عليهم كي يتفرقوا عنه عليه الصلاة و السلام ولا يصحبوه
وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي ينفضوا من أنفض القوم فني طعامهم فنفض الرجل وعاءه والفعل مما يتعدى بغير الهمز وبالهمزة لا يتعدى قال في الكشاف : وحقيقته حان لهم أن ينفضوا مزاودهم وقوله تعالى : ولله خزائن السماوات والأرض رد وإبطال لما زعموا من أن عدم إنفاقهم على من عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يؤدي إلى إنفضاضهم عنه عليه الصلاة و السلام ببيان أن خزائن الأرزاق بيد الله تعالى خاصة يعطي منها من يشاء ويمنع من يشاء ولكن المنافقين لا يفقهون
7
- ذلك لجهلهم بالله تعالى وبشئونه عز و جل ولذلك يقولون من مقالات الكفرة ما يقولون
يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قائله كما سمعت ابن أبي وعني بالأعز نفسه أو من يلوذ به وبالأذل من أعزه الله عز و جل وهو الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أو هو عليه الصلاة و السلام والمؤمنون وإسناد القول المذكور إلى جميعهم لرضائهم به كما في سابقه
وقرأ الحسن وابن أبي عبلة والسبتي في اختياره لنخرجن بالنون ونصب الأعز والأذل على أن الأعز مفعول به و الأذل إما حال بناءا على جواز تعريف الحال أو زيادة أل فيه نحو أرسلها العراك وأدخلوا الأول فالأول وهو المشهور في تخريج ذلك أو حال بتقدير مثل وهو لا يتعرف بالإضافة أي مثل الأذل أو مفعول به لحال محذوفة أي مشبها الأذل أو مفعول مطلق على أن الأصل إخراج الأذل فحذف المصدر المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه
وحكى الكسائي والفراء أن قوما قرأوا ليخرجن بالياء مفتوحة وضم الراء ورفع الأعز على الفاعلية ونصب الأذل على ما تقدم بيد أنك تقدر على تقدير النصب على المصدرية خروج وقريء ليخرجن بالياء مبنيا للمفعول ورفع الأعز على النيابة عن الفاعل ونصب الأذل على ما مر
وقرأ الحسن فيما ذكر أبو عمرو الداني لنخرجن بنون الجماعة مفتوحة وضم الراء ونصب الأعز والأذل وحكى هذه القراءة أبو حاتم وخرجت على أن نصب الأعز على الأختصاص كما في قولهم : نحن العرب أقرب الناس للضيف ونصب ألأذل على أحد الأوجه المارة فيما حكاه الكسائي والفراء والمقصود إظهار التضجر من المؤمنين وأنهم لا يمكنهم أن يساكنوهم في دار كذا قيل : وهو كما ترى ولعل هذه القراءة