كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 28)

ذلك لما فيه من محض التوحيد وإبطال الشرك الشرك وقريء هو الذي أرسل نبيه يآ أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة جليلة الشأن تنجيكم من عذاب أليم
10
- يوم القيامة وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق والأعرج وابن عامر تنجيكم بالتشديد وقوله تعالى : تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدونفي سبيل الله بأموالكم وأنفسكم استئناف بياني كأنه قيل : ما هذه التجارة دلنا عليها : فقيل : تؤمنون الخ والمضارع في الموضعين كما قال المبرد وجماعة خبر بمعنى الأمر أي آمنوا وجاهدوا ويؤيده قراءة عبد الله كذلك والتعبير به للإيذانبوجوبالأمتثالكأ والجهاد قد وقعا فأخبر بوقوعهما والخطاب إذا كان للمؤمنين الخلص فالمراد تثبتون وتدومون على الإيمان أو تجمعون بين الإيمانوالجهاد أي بين تكميل النفس وتكميل الغير وإن كان للمؤمنين ظاهرا فالمراد تخلصون الإيمان وأيا ما كان فلا إشكال في الأمر وقال الأخفش : تؤمنون الخ عطفبيانعل تجارة وتعقب بأنه لا يتخيل إلا على تقدير أنيكونالأصل أن تؤمنوا حتى يتقدر بمصدر ثم حذف أن فارتفع الفعل كما في قوله
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
يريد أن أحضر فلما حذف أن ارتفع الفعل وهو قليلوقال ابن عطية : تؤمنون فعل مرفوع بتقدير ذلك أنه تؤمنون وفيه حذفالمبتدأ وأن واسمها وإبقاء خبرها وذلك على ما قالأبو حيان : لا يجوز وقرأ زيد بن علي تؤمنوا وتجاهدوا بحذفنون الرفع فيهماعلى إضمارلام الأمر أي لتؤمنوا وتجاهدوا أو لتجاهدواكما في قوله : قلت لبواب على بابها تأذن لنا إني من أحمائها وكذا قوله : محمد تفد نفسك كل نفس إذاما خفت من أمر تبالا وجوز الأستئناف والنون حذفت تخفيفا كمافي قراء ساحران يظاهرا وقوله : ونقري ما شئت أن تنقري قد رفع الفخ فماذا تحذري وكذا قوله أبيت أسري وتبيتي تدلكي وجهك بالعنبر والمسك الذكي وأنت تعلم أن هذا الحذفشاذ ذلكم أيما ذكر من الإيمان والجهاد خير لكم على الإطلاق أو من أموالكم وأنفسكم إن كنتم تعلمون
11
- أي إن كنتم من أهل العلم إذ الجهلة لا يعتد بأفعالهم حتى توصف بالخبرية وقيل : أي إن كنتم تعلمون أنه خير لكم كان خيرا لكم حينئذ لأنكم إذاعلمتم ذلك واعتقدتم أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أموالكم وأنفسكم فتخلصون وتفلحون يغفر لكم ذنوبكم جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر كما في قولهم : اتقي الله تعالى امرؤ وفعل خيرا يثب عليه أو جوابلشرط أو استفهامدل عليه الكلام والتقدير أنتؤمنوا وتجاهدوايغفر لكم أو هل تقبلون أن أدلكم أو هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم وقال الفراء : جواب للأستفهامالمذكور أيهل أدلكم وتعقب بأنمجرد الدلالة لا يوجبالمغفرة وأجيب بأنه كقوله تعالى : قل لعبادي الذين آمنوا يقيمواالصلاة وقد قالوا فيه : إن القول لماكان للمؤمن الراسخ الإيمان كانمظنة لحصول الإمتثال فجعل كالمحقق وقوعه فيقال ههنا : ما كانت الدلالة مظنة لذلكنزلت منزلة المحقق ويؤيده إن كنتم تعلمون لأنمن لهعقل إذا دله سيدهعلىما هو خير له لا يتركه وادعاء الفرق بماثمة من الإضافة التشريفية وما هنا من المعاتبة قيل : غير ظاهر فتدبر والإنصاف أن تخريج الفراء لا يخلو

الصفحة 89