كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 28)

متجاوزين عن الناس فتمنوا الموت أي فتمنوا من الله تعالى أن يميتكم وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة إن كنتم صادقين جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه أي إن كنتم صادقين في زعمكم واثقين بأنه حق فتمنوا الموت فإن من أيقن أنه من أهل الجنة أحب أن يتخلص إليها من هذه الدار التي هي قرارة الأنكاد والأكدار وأمر صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقول لهم إظهارا لكذبهم فإنهم كانوا يقولوت : نحن أبناء الله وأحباؤه ويدعون أن الآخرة لهم عند الله خالصة ويقولون : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وروي أنه لما ظهر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتبت يهود المدينة ليهود خيبر : إن اتبعتم محمدا أطعناه وإن خالفتموه خالفناه فقالوا نحن أبناء خليل الرحمن ومنا عزير ابن الله والأنبياء ومتى كانت النبوة في العرب نحن أحق بها من محمد ولا سبيل إلى اتباعه فنزلت قل يا أبها الذين هادوا الآية واستعمال إن التي للشكل مع الزعم وهو محقق للأشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجزم به لوجود ما يكذبه
وقرأ ابن يعمر وابن أبي إسحاق وابن السمقيع فتمنوا الموت بكسر الواو تشبيها بلو استطعنا وعن ابن السمقيع أيضا فتحها وحكى الكسائي عن بعض الأعراب أنه قرأ بالهمزة مضمومة بدل الواو ولا يتمنونه أبدا إخبار بحالهم المستقبلة وهو عدم تمنيهم الموت وذلك خاص على ما صرح به جمع بأولئك المخاطبين وروي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لهم : والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه فلم يتمنه أحد منهم وما ذلك إلا لأنهم كانوا موقنين بصدقه عليه الصلاة و السلام فعلموا أنهم لو تمنوا لما تمنوا ساعتهم ولحقهم الوعيد وهذه إحدى المعجزات وجاء نفي التمني في آية أخرى بلن وهو من باب التفنن على القول المشهور في أن كلا من لا و لن لنفي المستقبل من غير تأكيد ومن قال : بإفادة لن التأكيد فوجه اختصاص التوكيد عنده بذلك الموضع أنهم ادعوا الأختصاص دون الناس في الموضعين وزادوا هنالك أنه أمر مكشوف لا شبهة فيه محققة عند الله فناسب أن يؤكد ما ينفيه والباء في قوله سبحانه : بما قدمت أيديهم سببية متعلقة بما يدل عليه النفي أي يأبون التني بسبب ما قدمت وجوز تعلقه بالأنتفاء كأنه قيل : انتفى تمنيهم بسبب ما قدمت كما قيل ذلك في قوله تعالى : ما أنت بنعمة ربك بمجنون والمراد بما قدمته أيديهم الكفر والمعاصي الموجبة لدخول النار ولما كانت اليد من بين جوارح الإنسان مناط عامة أفعاله عبلا بها تارة عن النفس وأخرى عن القدرة والله عليم بالظالمين
7
- أي بهم وإيثار الإظهار على الإضمار لذمهم والتسجيل عليهم بأنهمظالمونفي كل ما يأتون ويذرون من الأمور التي من جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل والجملة تذييل لما قبلها مقررة لما أشار إليه من سوء أفعالهم واقتضائها العذاب أي والله تعالى عليم بما صدر منهم من فنون الظلم والمعاصي وبما سيكون منهم فيجازيهم على ذلك
قل إن الموت الذي تفرون منه ولا تجسرون على أن تمنوه مخافة أن تؤخذوا بوبال أفعالكم فإنه ملاقيكم البتة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه والجملة خبر إن والفاء لتضمن الأسم معنى الشرط باعتبار وصفه بالموصول فإن الصفة والموصوف كالشيء الواحد فلا يقال : إن الفاء إنما تدخل الخبر

الصفحة 96