كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 28)
إذا تضمن المبتدأ معنى الشرط والمتضمن له الموصول وليس بمبتدأ ودخولها في مثل ذلك ليس بلازم كدخولها في الجواب الحقيقي وإنما لنكتة تليق بالمقام وهي ههنا المبالغة في عدم الفوت وذلك أن الفرار من الشيء في مجرى العادة الفوت عليه فجيء بالفاء لأفادة أن الفرار سبب الملاقاة مبالغة فيما ذكر وتعكيسا للحال وقيل : ما في حيزها جواب من حيث المعنى على معنى الإعلام فتفيد أن الفرار المظنون سببا للنجاة سبب للأعلام بملاقاته كما في قوله تعالى : فما بكم من نعمة فمن الله وهو وجه ضعيف فيما نحنفيه لا مبالغة فيه من حيث المعنى ومنع قوم منهم الفراء ودخول الفاء في نحو هذا وقالوا : هي ههنا زائدة وجوز أن يكون الموصول خبر إن والفاء عاطفة كأنه قيل : إن الموت هو الشيء الذي تفرون منه فيلاقيكم
وقرأزيد بن علي إنه ملاقيكم بدون فاء وخرج على أن الخبر هو الموصول وهذه الجملة مستأنفة أو هي الخبر والموصول صفة كما في قراءة الجمهور وجوز أن يكون الخبر ملاقيكم و إنه توكيدا لأن الموت وذلك أنه لما طال الكلام أكد الحرف مصحوبا بضمير الأسم الذي لأن وقرأ ابن مسعود تفرون منه ملاقيكم بدونالفاء ولا إنه وهي ظاهرة ثم تردونإلى عالم الغيب والشهادة الذيلا يخفى عليه خافية
فينبئكم بما كنتم تعملون
8
- من الكفر والمعاصي بأن يجازيكم بها واستشعر غير واحد من الآية ذمالقرار من الطاعون والكلام في ذلك طويل فمنهم من حرمه كابن خزيمة فإنه ترجم في صحيحه باب الفرار من الطاعون من الكبائر وأن الله تعالى يعاقب من وقع منه ذلك ما لم يعف عنه واستدلبحديث عائشة الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف رواه الإمام أحمد والطبراني وابن عدي وغيرهم وسنده حسن
وذكر التاج السبكي أن الأكثر على تحريمه ومنهم من قال : بكراهته كالأمام مالك ونقل القاضي عياض وغيره جواز الخروج عن الأرض التي يقع بها عن جماعة من الصحابة منهم أبو موسى الأشعري والمغيرة ابن شعبة وعن التابعين منهم الأسود بن هلال ومسروق وروي الإمام أحمد والطبراني أن عمرو بن العاص قال في الطاعون في آخر خطبته : إن هذا رجز مثل السيل تنكبه اخطأه ومثل النار من تنكبها أخطأها ومنأقام أحرقته وفي لفظ الطاعون رجس فتفرقوا منه في الشعاب وهذه الأودية فتفرقوا فبلغ ذلك عمررض عنه فلم ينكره ولم يكرهه وعن طارق بن شهاب قال : كنا نتحدث إلى أبي موسى الأشعري وهو في داره بالكوفة فقال لنا وقد وقع الطاعون : لا عليكم أن تنزحوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكمحتى يرفع هذا الوباء فإني سأخبركم بما يكره من ذلك أن يظن من خرج أنه لو أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يصبه فإذا لم يظن هذا فلا عليه أن يخرج ويتنزه عنه
وأخرج البيهقي وغيره عنه بسند حسن أنه قال : إن هذاالطاعون قد وقع فمن أراد أن يتنزه عنهفليفعل واحذروا اثنين أن يقول قائل : خرج خارج فسلم وجلس جالس فأصيب فلو كنت خرجتلسلمت كما سلم فلان ولو كنت جلست أصبت كما أصيب فلان ويفهم أنه لا بأس بالخروج مع اعتقاد أن كلمقدر كائن وكأني بك تختار ذلك لكن في فتاوي العلامة ابن حجر أن محل النزاع فيما إذا خرج فارا منه مع اعتقاد أنه لو قدر عليه لأصابه وأن فراره لا ينجيه لكن يخرج مؤملا أن ينجو أما الخروج من محله بقصد