كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 28)
أن له قدرة على التخلص من قضاء الله تعالى وأن فعله هو المنجي له فواضح أنه حرام بل كفر اتفاقا
وأما الخروج لعارض شغل أو للتداوي من علة طعن فيه أو غير ذلك فهو مما لا ينبغي أن يختلف في جوازه كما صرح به بعض المحققين ومن ذلك فيما أرى عروض وسوسة طبيعة له لا يقدر على دفعها تضر به ضررا بينا وغلبة ظن عدم دفنه أو تغسيله إذا مات في ذلك المحل قيل : ولا يقاس على الفرار من الطاعون الفرار من غيره من المهالك فإنه مأمور به وقد قال الجلال السيوطي : الفرار من الوباء كالحمى ومن سائر أسباب الهلاك جائز بالأجماع والطاعون مستثنى من عموم المهالك المأمور بالفرار منها للنهي التحريمي أو التنزيهي عن الفرار منه واختلفوافي علة النهي فقيل : هي أن الطاعون إذا وقع في بلد مثلا عم جميع من فيه بمداخلة سببه فلا يفيد الفرار منه بل إن كان أجله قد حضر فهو ميت وإن رحل وإلا فلا وإن أقام فتينت الإقامة لما في الخروج من العبث الذي لا يليق بالعقلاء واعترض بمنع عمومه إذا وقع في بلد جميع من فيه بمداخلة سببه ولو سلم فالوباء مثله في أن الشخص الذي في بلده إن كان أجله قد حضر فهو ميت وإن رحل وإلا فلا وإن أقام مع أنهم جوزوا الفرار منه وقيل : هي أن الناس لو تواردوا على الخروج لضاعت المرضى العاجزون عن الخروج لفقد من يتعهدهم والموتى لفقد من يجهزهم وأيضا من خروج الأقوياء كسرا لقلوب الضعفاء عن الخروج وأيضا إن الخارج يقول : لو لم أخرج لمت والمقيم : لو خرجت لسلمتفيقعان في اللو المنهي عنه واعترض كل ذلك بأنه موجود في الفرار عن الوباء أيضا وكذا الداء الحادث ظهوره المعروف بين الناس بأبي زوعة الذي أعيا الأطباء علاجه ولم ينفع فيه التحفظ والعزلة على الوجه المعروف في الطاعون وقيل : هي إن للميت به وكذا للصابر المحتسب المقيم في محله وإن لم يمت به أجر شهيد وفي الفرار إعراض عن الشهادة وهو محل التشبيه في حديث عائشة عند بعض واعترض بأنه قد صح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مر بحائط مائل فأسرع ولم يمنع أحد من ذلك وكذا من الفرار من الحريق مع أن المكيت بذلك شهيدا أيضا وذهب بعض العلماء إلى أن النهي تعبدي وكأنه لما رأى أنه لا تسلم علة له عن الطعن قال ذلك ولهم في بعض هذه المسألة رسائل عديدة فمن أراد استيفاء الكلام فليرجع إليها
يآ أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة أي فعل النداء لها أي الأذان والمراد به على ما حكاه في الكشاف الأذان عند قعود الإمام على المنبر وقد كان لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل عليه الصلاة و السلام أقام الصلاة ثم كان أبو بكر وعمر على ذلك حتى إذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد مؤذنا آخر فأمر بالتأذين الأولعلى داره التي تسمى زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني فإذا نزل أقام الصلاة فلم يعب ذلك عليه
وفي حديث الجماعة إلا مسلما فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء وفي رواية للبخاري ومسلم زاد النداء الثاني والكل بمعنى وتسمية ما يفعل من الأذان أولا ثانيا باعتبار أنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإنما كان بعد وتسميته ثالثا لأن الإقامة تسمى أذانا كما في الحديث بين كل أذانين صلاة وقال مفتي الحنفية في دار السلطنة السنية الفاضل سعد الله جلبي : المعتبر في تعلق الأمر يعني قوله تعالى الآتي : فاسعوا هو الأذان الأول في الأصح عندنا لأن حصول الإعلام به لا الأذان بين يدي المنبر ورد بأن الأول لم يكن على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما سمعت فكيف يقال : المراد