كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 29)
الكلام على هذا إما تتميم للعلة يهون عليه أن النهار يصلح للإستراحة فليغنم الليل للعبادة وليشكر أن لم يكلف استيعابهما بالعبادة أو تأكيد للإحتفاظ به بأنه إن فات لا بد من تداركه بالنهار ففيه متسع لذبك وفيه تلويح إلى معنى جعل الليل والنهار خلفة وقرأ ابن يعمر وعكرمة وابن أبيعبلة سبخا بالخاء المعجمة أي تفرق قلب بالشواغل مستعار من سبخ الصوف وهو نقشه ونشر أجزائه وقال غير واحد خفة من التكاليف قال الأصمعي يقال سبخ الله تعالى عنك الحمى خففها وفي الحديث لا تسبخي بدعائك أي لا تخففي ومنه قوله فسبخ عليك الهم واعلم بأنه
إذا قدر الرحمن شيئا فكائن وقيل السبخ المد يقال سبخي قطنك أي مديه ويقال لقطع القطن سبائخ الواحدة سبخة ومنه قول الأخطل يصف قناصا وكلابا فأرسلوهن يذرين التراب كما
يذري سبائخ قطن ندف أوتار وقال صاحب اللوامح أن ابن يعمر وعكرمة فسرا سبخا بالمعجمة بعد أن قرآ به فقالا معناه نوما أي ينام بالنهار ليستعين به على قيام الليل وقد يحتمل هذه القراءة غير هذا المعنى لكنهما فسراها فلا نتجاوز عنه أه ولعل ذلك تفسير باللازم واذكر اسم ربك أي ودم على ذكره تعالى ليلا ونهارا على أي وجه كان من تسبيح وتهليل وتحميد وصلاة وقراءة قرآن وغير ذلك وفسر الأمر بالدوام لأنه عليه الصلاة و السلام لم ينسبه تعالى حتى يؤمر بذكره سبحانه والمراد الدوام العرفي لا الحقيقي لعدم إمكانه ولأن مقتضى السياق أن هذا تعميم بعد التخصيص كان المعنى على ما سمعت من اعتبار ليلا ونهارا وتبتل إليه أي وانقطع إليه تعالى بالعبادة وجرد نفسك عما سواه عز و جل واستغرق في مراقبته سبحانه وكان هذا أمر بما يتعلق بالباطن بعد الأمر بما يتعلق بالظاهر ولتأكيد ذلك قال سبحانه تبتيلا ونصبه بتبتل لتضمنه معنى بتل على ما قيل وقد تقدم الكلام في تحقيق ذلك عند قوله تعالى والله أنبتكم من الأرض نباتا فتذكر فما في العهد من قدم وكيفما كان الأمر ففيه مراعاة الفواصل رب المشرق والمغرب مرفوع على المدح وقيل على الإبتداء خبره لا إله إلا هو وقرأ زيد بن علي رضي عنهما رب بالنصب على الإختصاص والمدح وهو يؤيد الأول وقرأ الإخوان وابن عامر وأبو بكر ويعقوب رب بالجر على أنه بدل من ربك وقيل على إضمار حرف القسم وجوابه لا إله إلا هو وفيه حذف حرف القسم من غير ما يسد مسده وإبقاء عمله وهو ضعيف جدا كما بين في العربية وقد نقل هذا عن ابن عباس وتعقبه أبو حيان بقوله لعله لا يصح عنهإذ فيه إضمار الجار في القسم ولا يجوز عند البصريين إلا في لفظة الجلالة الكريمة نحو الله لأفعلن كذا ولا قياس عليه ولأن الجملة المنفية في جواب القسم إذا كانت تنفى بما لا غير ولا تنفى بلا إلا الجملة المصدرة بمضارع كثيرا وبما ضفي معناه قليلا انتهى وظاهر كلام ابن مالك في التسهيل إطلاق وقوع الجملة المنفية جوابا للقسم وقال في شرح الكافية إن الجملة الإسمية تقع جوابا للقسم مصدرة بلا النافية لكن يجب تكرارها إذا تقدم خبرها أو كان المبتدأ معرفة نحو والله لا في الدار رجل ولا امرأة ووالله لا زيد في الدار ولا عمرو ومنه يعلم أن المسألة خلافية بين هذين الإمامين وقرأ ابن عباس وعبد الله وأصحابه رب المشارق والمغارب وبجمعهما وقد تقدم الكلام في وجهال إراد والجمع والفاء في قوله تعالى فاتخذه وكيلا لترتيب الأمر وموجبه على اختصاص الألوهية والربيوبية به عز و جل ووكيل فعيل بمعنى مفعول أي موكول إليه والمراد من اتخاذه سبحانه وكيلا أن يعتمد عليه سبحانه ويفوض كل أمر