كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 29)

غير أن سيوفهم
كما في الكشف وظاهر كلام بعض الأجلة أنه إما استثناء متصل من رشدا فإن الإبلاغ إرشاد ونفع والإستثناء من المعطوف دون المعطوف عليه جائز وإما استثناء منقطع من ملتحدا قال الرازي لأن البلاغ من الله تعالى لا يكون داخلا تحت قوله سبحانه من دونه ملتحدا لأنه لا يكون من دون الله سبحانه بل منه جل وعلا وبإعانته وتوفيقه وفي البحر قال الحسن هو استثناء منقطع أي لن يجيرني أحد لكن أن بلغت رحمتي بذلك والإجارة مستعارة للبلاغ هو سبب إجارة الله تعالى ورحمته سبحانه وقيل هو على هذا المعنى استثناء متصل والمعنى لن أجد شيئا أميل إليه وأعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع فيجيرني فيجوز نصبه على الإستثناء من ملتحدا أو على البدل وهو الوجه لأن قبله نفيا وعلى البدل خرجه الزجاج انتهى والأظهر ما تقدم وقيل أن إلا مركبة من أن الشرطية ولا النافية والمعنى إن لا أبلغ بلاغا وما قبله دليل الجواب فهو كقولك إلا قياما فقعودا وظاهره أن المصدر سد مسد الشرط كمعمول كان ولهم في حذف جملة الشرط مع بقاء الأداة كلام والظاهر أن إطراد حذفه مشروط ببقاء لا كما في قوله فطلقها فلست لها بكفء
وإلا يعل مفرقك الحام ما لم يسد مسده شيء من معمول أو مفسر كان أحد من المشركين استجارك والناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخير وهذا الوجه المتبادر كما لا يخفى وقوله تعالى ورسالاته عطف على بلاغا ومن الله متعلق بمحذوف وقع صفة له أي بلاغا كائنا من الله وليس بصلة له لأنه يستعمل بعن كما في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم بلغوا عني ولو آية والمعنى على ما علمت أولا في الإستثناء لا أملك لكم إلا تبليغا كائنا منه تعالى ورسالاته التي أرسلني عز و جل بها وفي الكشف في الكلام إضمار أي بلاغ رسالته وأصل الكلام الإبلاغ رسالات الله فعدل إلى المنزل ليدل على التبليغين مبالغة وإن كلا من المعنيين أعني كونه من الله تعالى وكونه بلاغ رسالاته يقتضي التشمر لذلك انتهى وفي عبارة الكشاف رمز ما إليه لكن قيل عليه لا ينبغي تقدير المضاف فيه أعني بلاغ فإنه يكون العطف حينئذ من عطف الشيء على نفسه إلا أن يوجه بأن البلاغ من الله تعالى فيما أخذه عنه سبحانه بغير واسطة والبلاغ للرسالات فيما هو بها وهو بعيد غاية البعد فافهم واستظهر أبو حيان عطفه على الاسم الجليل فقال الظاهر عطف رسالاته على الله أي إلا أن أبلغ عن الله وعن رسالاته وظاهره جعل من بمعنى عن وقد تقدم منه أنها لابتداء الغاية وقريء قال لا أملك أي قالعبد الله للمشركين أو للجن وجوز أن يكون من حكاية الجن لقومهم هذا ووجه ارتباط الآية بما قبلها قيل بناء على أن التلبد للعداوة أنهم لما تلبدوا عليه صلى الله تعالى عليه وسلم متظاهرين للعداوة قيل له عليه الصلاة و السلام قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا أي ما أردت إلا نفعكم وقابلتموني بالإساءة وليس في استطاعتي النفع الذي أردت ولا الضر الذي أكافئكم به إنما ذان إلي الله تعالى وفيه تهديد عظيم وتوكيل إلى الله جل وعلا وأنه سبحانه هو الذي يجزيه بحسن صنيعه وسوء صنيعهم ثم فيه مبالغة من حيث أنه لا يدع التبليغ لتظاهرهم هذا فإن الذي يستطيعه عليه الصلاة و السلام هو التبليغ ولا يدع المستطاع ولهذا قال إلا بلاغا وجعله بدلا من ملتحدا شديد الطباق على هذا والشرط قريب منه وأما إن كان الخطاب للجن والتلبد للتعجب فالوجه أنهم لما تلبدوا لذلك قيل له عليه الصلاة و السلام قل لهم ما لكم ازدحمتم على متعجبين مني ومن تطامن أصحابي على العبادة إني ليس إلى النفع والضر إنما أنا مبلغ عن الضار النافع فأقبلوا أنتم مثلنا على العبادة ولا تقبلوا على التعجب فإن العجب ممن يعرض عن المنعم المنتقم الضار النافع ولعل اعتبار قوة الإرتباط يقتضي أولوية كون التلبد كان للعداوة ومعصية الرسول عليه الصلاة و السلام ومن يعص الله ورسوله أي في الأمر بالتوحيد إذ الكلام فيه فلا يصح استدلال المعزلة ونحوهم بالآية

الصفحة 94