كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 30)

عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها منه من النار حتى الفرج بالفرج وهو أفضل من الصدقة عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وعند صاحبيه الصدقة أفضل والآية على ما قيل أدل على قول الإمام لمكان تقديم الفك على الإطعام وعن الشعبي تفضيل العتق أيضا على الصدقة على ذي القرابة فضلا عن غيره وقال الإمام في الآية وجه آخر حسن وهو أن يكون المراد أن يفك المرء رقبة نفسه بما يكلفه من العبادة التي يصير بها الجنة فهي الحرية الكبرى وعليه قيل يكون ما بعد من قبيل التخصيص بعد التعميم وفيه بعد كما لا يخفى أو إطعام في يوم ذي مسغبة مصدر ميمي السغب قال أبو حيان وهو الجوع العام وقد يقال سغب الرجل إذا جاع وقال الراغب هو الجوع مع التعب وربما قيل في العطش مع التعب وفسره ابن عباس هنا بالجوع من غير قيد وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن إبراهيم أنه قال في يوم الطعام عزيز وليس بتفسير بالمعنى الموضوع له ووصف اليوم بذي مسغبة نحو ما يقول النحويون في قولهم هم ناصب ذو نصب وليل نائم ذو نوم ونهار صائم ذو صوم يتيما ذا مقربة أي قرابة فهو مصدر ميمي أيضا من قرب في النسب يقال فلان ذو قرابتي وذو مقربتي بمعنى قال الزجاج وفلان قرابتي قبيح لأن القرابة مصدر قال يبكي الغريب عليه ليس يعرفه
وذو قرابته في الحي مسرور وفيه بحث وفي إطعام هذا جمع بين الصدقة والصلة وفيهما من الأجر ما فيهما وقيل أنه لا يخص القريب نسبا بل يشمل من له قرب بالجوار أو مسكينا ذا متربة أي افتقار وهو مصدر ميمي كما تقدم من ترب إذا افتقر ومعناه التصق بالتراب فاستغنى وأما أترب فاستغنى أي صار ذا مال كالتراث في الكثرة كما قيل أثرى وعن ابن عباس أنه فسره هنا بالذي لايقيه من التراب شيء وفي رواية أخرى هو المطروح على ظهر الطريق قاعدا على التراب لا يبيت له وهو قريب مما أخرجه ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعا هو الذي ماواه المزابل فإن صح لا يعدل عنه وفي رواية أخرى عن ابن عباس هو الذي يخرج من بيته ثم يقلب وجهه إليه مستيقنا أنه ليس فيه إلا التراب وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أنه قال في ذلك يعني بعيد التربة أي بعيدا من وطنه وهو بعيد والصفة على بعض هذه التفاسير صفة كاشفة وبعض آخر مخصصة واو على ما في البحر للتنويع وقد استشكل عدم تكرار لا هنا مع أنها دخلت على الماضي وهم قالوا يلزم تكرارها حينئذ كما في قوله تنعالى فلا صدق ولا صلى وقول الحطيئة وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها
وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا وشذ قوله لا هم إن الحرث بن جبله
جنى على أبيه ثم قتله وكان في جاراته لا عهد له
فأي أمر سيء لا فعله وأجيب بأن اللازم تكرارها لفظأ أو معنى وهي هنا مكررة معنى لأن تفسير العقبة بما فسرت به من الأمور المتعددة يلزم منه تفسير الأقتحام فيكون فلا اقتحم العقبة في معنى فلا فك رقبة ولا أطعم يتيما الخ وقد يقال في البيت نحو ذلك بأن يقال أن العموم فيه قائم مقام التكرار ويلزمه على ما قيل جواز لا جاءني زيد وعمرو لأنه في معنى لا جاءني زيد ولا جاءني عمرو وتبعه بعضهم وقال الزجاج والفراء يجوز أن يكون منه قوله تعالى ثم كان من الذين آمنوا فإنه عطف على المنفي أعني اقتحم فكأنه قيل فلا اقتحم ولا آمن ولا يلزم منه كون الإيمان غير داخل في مفهوم العقبة لأنه يكفي في صحة العطف والتكرار كونه جزءا أشرف خص بالذكر عطفا فجاءت صورة التكرار ضرورة إذا الحمل هلى غير ذلك

الصفحة 138