كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 30)

الى التفرقة ومع ذلك لا يخلوا من تأثير نفساني ثم أن القائلين به اختلفوا فى القدر الذى يقع به فقال بعضهم لايزيد تأثيره على قدرة التفرقة بين المرء وزوجه لان الله تعالى انما ذكر ذلك تعظيما لما يكون عنده وتهويلا له فلو وقع به أعظم منه للذكرة لأن المثل لايضرب عند المبالغة الا باعلى أحوال المذكور ومذهب الاشاعرة انه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك وهو الصحيح عقلا لانه لا فاعل الا الله ومايقع من ذلك فهو عادة أجراها الله تعالى ولاتفترق الافعال فى ذلك وليس بعضها باولى من بعض ولورود الشرع بقصوره عن مرتبة لوجب المصير اليه ولكن لايوجد شرع قاطع يوجب الاقتصار على ماقاله القائل الاول وذكر التفرقة بين الزوجين فى الآية ليس فى بنص فى منع الزيادة وانما النظر فى أنه ظاهر أم لا والفرق بين الساحر وبن النبى والولى على قول الاشاعرة بأنه يجوز خرق العادة على يد الساحر مبين فى الكتب الكلامية وغيرها من شروح الصحاح وقيل فى الآية الملراد بالنفث فى العقد ابطال عزائم الرجال بالحيل مستعار من تليين العقد بنفث الريق ليسهل حلها وهو يقرب من بدع التفاسير ومن شر حاسد اذا حسد أى اذا أظهر ما فى نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه بترتيب مقدمات الشر ومبادى الاضرار بالمحسود وقولا وفعلا من ذلك على ماقيل النظر الى المحسود وتوجيه نفسه الخبيثة نحوه على وجه الغضب فان نفس الحاسد حينئذ تتكيف بكيفية خبيثة ربما تؤثر فى المحسود بحسب ضعفه وقوة نفس الحاسد شرا قد يصل الى حد الاهلاك ورب حاسد يؤذى بنظره بعين حسده نحو مايؤذى بعد الحيات بنظرهن وذكروا أن العائن والحاسد يشتركان فى أن كلا منهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من تريد اذاه الا أن العائن تتكيف نفسه عند مقابلة العين والمعاينة والحاسد يحصل حسده فى الغيبة والحضور وأيضا العائن قد يعين من لايحسده من حيوان وزرع وان كان لاينفك من حسده صاحبه والتقييد بذلك اذ لاضرر بل قيل ان ضرر الحسد انما يحيق بالحاسد لاغير كما قال على كرم الله تعالى وجهه لله در الحسد مأعدله بدأ بصاحبه فقتله وقال بن المعتز اصبر على حسد الحسود
فان صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها
ان لم تجد ماتأكاه وليعلم أن الحسد يطلق على تمنى زوال نعمة الغير وعلى تمنى استصحاب عدم النعمة ودوام مافى لغير من نقص أو فقر أو نحوه والاطلاق الاول هو الشائع والحاسد بكلا الاطلاقين ممقوت عند الله تعالى وعند عباده عز و جل آت بابا من الكبائر على ماشتهر بينهم لكن التحقيق ان الحسد الغريزى الجبلى اذا لم يعمل بمقتضاه من الاذى مطلقا بل عامل متصف به أخاه بما يحب الله تعالى مجاهدا نفسه لاأثم فيه بل يثاب صاحبه على جهاد نفسه وحسن معاملة أخاه ثوابا عظيما لما فى لما فى ذلك مشقة مخالفة الطبع كما لايخفى ويطلق الحسد على الغبطة مجازا وكان ذلك شائعا فىالعرف الأول وهى تمنى أن يكون له مثل مالأخيه من النعمة من غير تمنى زوالها وهذا مما لابأس به ومن ذلك ماصح من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لاحسد الا فى اثنتين رجل آتاه الله تعالى مالا وسلطه على هلكته ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها الناس وقال أبو تمام هم حسدوه لاملومين مجده
وماحاسد فى المكرمات بحاسد وقال أيضا وأعذر حسدوك فيما قد خصصت به
ان العلا حسن فى مثلها الحسد هذا وقال الرئيس ابن سينا الغاسق القوة الحيوانية فهى ظلمة غاسقة منكدرة على خلاف النفس الناطقة التى هى المستعيذة فانها خلقت فى جوهرها نقية صافية مبرأة عن كدورات المادة وعلائقها قابلة لجميع الصور والحقائق وانما تتلوث من الحيوانية والنفاثات فى العقد اشارة الى القوى النباتية

الصفحة 284