كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 30)

وليرغب فيه لا في خمور الدنيا أولا في غيره منملاذها ونعيمها المتنافسون أي الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله تعالى وقيل أي فليعمل لأجله أي لأجل تحصيله خاصة والفوز به العاملون كقوله تعالى لمثل هذا فليعمل العاملون أي فليستبق في تحصيل ذلك المتسابقون وأصل التنافس التغالب في الشيء النفيس وأصله من النفيس لعزتها قال الواحدي نفست الشيء أنفسه نفاسة والتنافس تفاعل منه كان كل واحد منالشخصين يريد أن يستأثر به وقال البغوي أصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس ويريده كل واحد لنفسه ويقال نفست عليه بالشيء أنفس نفاسة إذا بخلت به عليه وفي مفردات الراغب المنافسة مجاهدة النفس للتشبه بالأفاضل واللحوق بهم منغير إدخال ضرر على غيره وهي بهذا المعنى من شرف النفس وعلو الهمة والفرق بينها وبين الحسد أظهر من أن يخفى واستشكل ذلك التعلق بأنه يلزم عليه دخول العاطف على العاطف إذ التقدير وفليتنافس في ذلك وأجيب بأنه بتقدير القول أي يقولون لشدة التلذذ من غير اختيار في ذلك فليتنافس المتنافسون أي في الدنيا على معنى أنه كان اللائق بهم أن يتنافسوا في ذلك وقيل الكلام على تقدير حرف الشرط والفاء واقعة في جوابه أي وإن أريد تنافس فليتنافس في ذلك المتنافسون وتقديم الظرف ليكون عوضا عن الشرط في شغل حيزه وهو أنفس مما تقدم وقوله تعالى ومزاجه منتسنيم عطف على ختامه مسك صفة أخرى لرحيق مثله وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته وتسنيم علم لعين بعينها في الجنة كما روي عن ابن مسعود وعن حذيفة اليمان أنه قالعين منعدن سميت بالتسليم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه إما لأن شرابها أرفع شراب في الجنة على ما روي عن ابن عباس أو لأنها تأتيهم من فوق على ما روي عن الكلبي وروي أنها تجري في الهواء متسنمة فتنصب في أوانيهم وقيل سميت بذلك لرفعة من يشرب بها ولا يلزم منكونه علما لما ذكر منع صرفه للعلمية والتأنيث لأن العين مؤنثة إذ هي قد تذكر بتأويل الماء أو نحوه ومن بيانية أو تبعيضية أي ما يمزج به ذلك الرحيق هو تسليم أي ماء تلك العين أو بعض ذلك وجوز أن تكون ابتدائية عينا نصب على المدح وقالالزجاج على الحال من تسليم قيل وصح كونه حالا مع جموده لوصفه بقوله تعالى يشرب بها المقربون أو لتأويله بمشتق كجارية وأنت تعلم أن الأشتقاق غير لازم والباء إما زائدة أي يشربها أو بمعنى من أي يشرب منها أو على تضمين يشرب معنى يروي أي يشرب راوين بها أو يروي بها شاربين المقربون أو صلة الألتذاذ أي يشرب ملتذا بها أو الأمتزاج أي يشرب الرحيق ممتزجا بها أو الأكتفاء أي يشرب مكتفين بها أوجه ذكروها وفي كونها صلة الأمتزاج مقال فقد قال ابن مسعود وابن عباس والحسن وأبو صالح يشرب بها المقربون صرفا وتمزج للأبرار ومذهب الجمهور أن الأبرار هم أصحاب اليمين وأن المقربين هم السابقون كأنهم إنما كان شرابهم صرف التسليم لاشتغالهم عن الرحيق المختوم بمحبة الحي القيوم فهي الرحيق التي لا يقاس بها رحيق والمدامة التي تواصي على شربها ذووا الأذواق والتحقيق على نفسه فلبيك من ضاع عمره
وليس له منها نصيب ولا سهم وقال قوم الأبرار والمقربون في هذه السورة بمعنى واحد يشتمل كل من نعم في الجنة وقوله تعالى إن الذين أجرموا الخ حكاية لبعض قبائح مشركي قريش أبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص ابن وائل وأشياعهم جيء بها تمهيدا لذكر بعض أحوال الأبرار في الجنة كانوا أي في الدنيا كما قال قتادة من الذين آمنوا يضحكون كانوا يستهزؤن بفقرائهم كعمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من الفقراء وفي البحر روي أن عليا كرم الله

الصفحة 76