كتاب سير أعلام النبلاء ط الرسالة (اسم الجزء: 4)

سَاقِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الوَلِيْدُ، فَحُمِلَ إِلَيْهِ، وَدَعَا الأَطِبَّاءَ.
فَقَالُوا: لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ إِلاَّ القَطْعُ، فَقُطِعَتْ، فَمَا تَضَوَّرَ وَجْهُهُ (1) .
عُمَرُ بنُ عَبْدِ الغَفَّارِ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ:
أَنَّ أَبَاهُ وَقَعَتْ فِي رِجْلِهِ الآكِلَةُ، فَقِيْلَ: أَلاَ نَدْعُوْا لَكَ طَبِيْباً؟
قَالَ: إِنَّ شِئْتُم.
فَقَالُوا: نَسْقِيْكَ شَرَاباً يَزُوْلُ فِيْهِ عَقْلُكَ.
فَقَالَ: امْضِ لِشَأْنِكَ، مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ خَلْقاً يَشْرَبُ مَا يُزِيْلُ عَقْلَهُ حَتَّى لاَ يَعْرِفَ بِهِ (2) .
فَوُضِعَ المِنْشَارُ عَلَى رُكْبَتِهِ اليُسْرَى، فَمَا سَمِعْنَا لَهُ حِسّاً.
فَلَمَّا قَطَعَهَا، جَعَلَ يَقُوْلُ: لَئِنْ أَخَذْتَ لَقَدْ أَبْقَيْتَ، وَلَئِنْ ابْتَلَيْتَ لَقَدْ عَافَيْتَ، وَمَا تَرَكَ جُزْءهُ بِالقُرْآنِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ (3) .
يَعْقُوْبُ الدَّوْرَقِيُّ (4) : حَدَّثَنَا عَامِرُ بنُ صَالِحٍ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ:
أَنَّ أَبَاهُ خَرَجَ إِلَى الوَلِيْدِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِوَادِي القُرَى، وَجَدَ فِي رِجْلِهِ شَيْئاً، فَظَهَرَتْ بِهِ قَرْحَةٌ، ثُمَّ تَرَقَّى بِهِ الوَجَعُ، وَقَدِمَ عَلَى الوَلِيْدِ وَهُوَ فِي مَحْمِلٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، اقْطَعْهَا.
قَالَ: دُوْنَكَ، فَدَعَا لَهُ الطَّبِيْبَ، وَقَالَ: اشْرَبْ المُرْقِدَ (5) .
فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقَطَعَهَا مِنْ نِصْفِ السَّاقِ، فَمَا زَادَ أَنْ يَقُوْلَ: حَسِّ حَسِّ (6) .
فَقَالَ الوَلِيْدُ: مَا رَأَيْتُ شَيْخاً قَطُّ أَصْبَرَ مِنْ هَذَا.
وَأُصِيْبَ عُرْوَةُ بِابْنِهِ مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ، رَكَضَتْهُ بَغْلَةٌ فِي اصْطَبْلٍ، فَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ فِي ذَلِكَ كَلِمَةً.
فَلَمَّا كَانَ بِوَادِي القُرَى، قَالَ: {لَقَدْ لَقِيْنَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً} [الكَهْفُ: 63] ، اللَّهُمَّ كَانَ لِي بَنُوْنَ سَبْعَةٌ، فَأَخَذْتَ وَاحِداً أَبْقَيْتَ لِي سِتَّةً، وَكَانَ لِي أَطْرَافٌ
__________
(1) الحلية 2 / 179 وابن عساكر 11 / 286 ب.
(2) في ابن عساكر: " لايعرف ربه ".
(3) ابن عساكر 11 / 286 ب.
(4) هو يعقوب بن إبراهيم العبدي الدورقي المتوفى سنة 251 تأتى ترجمته في المجلد الثامن 117 من الأصل.
(5) المرقد: شيء يشرب فينوم من يشربه ويرقده.
(6) حس: كلمة تقال عند الالم.

الصفحة 430